الحرس الثوري يتوعد بردّ “ساحق” على اغتيال الطبطبائي.. رسائل استراتيجية وسيناريوهات مفتوحة

في تصعيد جديد يعيد إلى الواجهة سلسلة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل ضد قيادات عسكرية وسياسية بارزة في فصائل المقاومة المتحالفة مع طهران خلال العام الماضي، توعّد الحرس الثوري الإيراني بأن الرد على اغتيال القائد العسكري في حزب الله هيثم الطبطبائي سيكون “ساحقًا وفي وقته المقرر”.
ويُنظر في طهران إلى اغتيال الطبطبائي باعتباره تطورًا نوعيًا يستهدف الجبهة الأمامية للمقاومة اللبنانية، التي تُعد ركيزة جوهرية في إستراتيجية الردع لدى محور المقاومة. وقد جاءت إدانة الحرس الثوري “للجريمة الوحشية” لتؤكد أن دماء “الشهداء” باتت عنصرًا إستراتيجيًا يُستثمر في المواجهة المقبلة.
وفي بيان شديد اللهجة، شدد الحرس الثوري على أن “محور المقاومة وحزب الله يحتفظان بحق الرد على دماء المقاتلين الشجعان”، مؤكدًا أن عملية الاغتيال التي نُفذت في الضاحية الجنوبية لبيروت “لن تمر دون عقاب”، وأن الخيار العسكري “مطروح بقوة”.
رسائل التصعيد وتوقيت العملية
مع تصاعد الخطاب الإيراني منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، يوجّه الحرس الثوري رسالة مزدوجة لحلفائه وخصومه: تأكيد استمرار المقاومة، والتلويح بحق الرد. هذه الرسائل، وفق محللين إيرانيين، تضع إسرائيل في حالة ترقّب حذر.
ويرى الباحث الإيراني في الشؤون الأمنية محمد قادري أن العملية جاءت في توقيت حساس بعد عام على اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، إذ إن مهاجمة الاحتلال للعاصمة بيروت لأول مرة منذ بدء الهدنة قد يعيد المنطقة إلى حافة مواجهة واسعة، خصوصًا بعد تراجع التصعيد في غزة.
ويشير قادري إلى أن استهداف حارة حريك في الضاحية الجنوبية يحمل دلالات كبيرة، أهمها فشل الولايات المتحدة وإسرائيل –وفق رأيه– في نزع سلاح المقاومة، ومحاولة اختبار قدراتها في ظل قيادتها السياسية الجديدة.
كما يعتبر أن الاحتلال يتجه لدفع المقاومة إلى حالة دائمة من الترقّب والدفاع عن النفس، بهدف شلّ نشاطها وإبقاء قياداتها في حالة طوارئ مستمرة، في محاولة لتحويل الصراع من منافسة على الردع إلى “معركة بقاء”.
طهران: دعم ثابت لكن دون التدخل في القرار
من جانبه، يرى رئيس تحرير صحيفة الوفاق الإيرانية مختار حداد أن بيان الحرس الثوري يتضمن إشارة واضحة إلى أن قرار الرد يقع بيد حزب الله وفصائل المقاومة، وأن طهران لا تتدخل في اتخاذه رغم دعمها الثابت للمحور.
ويضيف حداد أن نبرة البيان تتناغم مع مواقف الحرس عقب اغتيالات سابقة طالت قيادات بارزة مثل فؤاد شكر، ويحيى السنوار، ومحمد الضيف، مؤكّدًا أن إيران باتت معنية بشكل مباشر بالتصعيد الإسرائيلي ضد حلفائها في المنطقة.
برأي حداد، فإن اغتيال الطبطبائي، الرجل الثاني في حزب الله، أعاد شبح الحرب إلى الشرق الأوسط. ويرى أن بيان الحرس الثوري حمل رسالة قوية مفادها رفض سياسة الاغتيالات، والتأكيد على امتلاك المحور قدرات “ساحقة” في الوقت الذي يراه مناسبًا.
ثلاثة سيناريوهات محتملة للرد
وفق قراءات تحليلية داخل إيران، تبدو احتمالات الرد مفتوحة على ثلاثة مسارات رئيسية:
1. رد عسكري واسع بحجم الاغتيال
قد يلجأ حزب الله وفصائل المقاومة إلى ضربة موجعة توازي حجم العملية، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام حرب شاملة.
2. رد عسكري محسوب
يوجه ضربات دقيقة لأهداف عسكرية شمالي الأراضي الفلسطينية المحتلة، مع تجنب الانخراط في مواجهة واسعة.
3. ضبط النفس (احتمال ضعيف حاليًا)
امتناع حزب الله عن الرد فورًا لتجنب تداعيات أمنية وسياسية قد تكون باهظة الثمن، خاصة أن إسرائيل –وفق الباحثين– “لا تفهم سوى لغة القوة”.
توازن حساس بين الردع وتجنب حرب شاملة
يرى مراقبون إيرانيون أن القرار النهائي بشأن الرد سيكون محكومًا بمعادلة دقيقة توازن بين الحاجة الاستراتيجية لردع إسرائيل ووضع حد لعمليات الاغتيال، وبين الضرورة السياسية والعسكرية لتجنب حرب واسعة قد تهدد استقرار لبنان وتستنزف قدرات المقاومة.
كما يُرجح أن تُبقي قيادات محور المقاومة خياراتها مفتوحة لحين تحديد التوقيت الأنسب، في ظل اعتقاد راسخ لديها بأن المواجهة الشاملة مع إسرائيل وحلفائها الغربيين معركة مصيرية تُحتَكم إليها مدخرات سنوات من البناء العسكري والسياسي.









