تقنية

سرقات قياسية تهز قطاع العملات المشفرة في 2025

يشير الارتفاع القياسي في حجم السرقات السيبرانية التي استهدفت قطاع العملات المشفرة خلال عام 2025 إلى تحوّل نوعي في طبيعة التهديدات، سواء من حيث عدد الحوادث أو بنيتها وأدواتها والجهات المنفذة لها. فقد تجاوزت الخسائر المعلنة 2.7 مليار دولار، وفق تقديرات شركات متخصصة في تتبّع سلاسل الكتل، ليصبح هذا العام الأعلى على الإطلاق من حيث حجم الأصول الرقمية المسروقة.

ولا يمكن فصل هذا التصاعد عن التحولات الأوسع في الفضاء السيبراني، إذ بات الذكاء الاصطناعي يلعب دورا متزايدا في إعادة تشكيل موازين القوة بين المهاجمين والمدافعين، ضمن اقتصاد رقمي يقوم في جوهره على الثقة والشفافية التقنية.

هجمات تضرب عمق المنظومة الرقمية

تكشف المعطيات الحديثة أن الهجمات لم تعد محصورة في سرقة محافظ فردية أو استغلال ثغرات بدائية، بل باتت تستهدف البنية العميقة لاقتصاد العملات المشفرة، من منصات التداول المركزية إلى بروتوكولات التمويل اللامركزي وتقنيات الويب 3.

ويجسد اختراق منصة “باي بت” وسرقة ما يقارب 1.4 مليار دولار من العملات المشفرة هذا التحول بوضوح، ليس فقط باعتباره أكبر عملية سرقة في تاريخ القطاع، بل لأنه يعكس مستوى عاليا من التخطيط والفهم المنهجي لآليات إدارة المفاتيح وأنظمة التوقيع والبنية التشغيلية، ما يشير إلى انتقال الهجمات من منطق الاختراق المحدود إلى منطق “الهندسة السيبرانية المالية” القادرة على ضرب نقاط ارتكاز النظام نفسه.

الذكاء الاصطناعي.. عامل مضاعف للمخاطر

في هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي كعامل رئيسي في تعقيد التهديدات، إذ تُستخدم خوارزميات التعلم الآلي في تحليل الشفرات البرمجية للعقود الذكية واكتشاف نقاط الضعف فيها بسرعة تفوق التدقيق البشري التقليدي، إضافة إلى محاكاة سلوك المنصات واختبار سيناريوهات اختراق متعددة قبل تنفيذ الهجوم فعليا.

كما أسهمت الأتمتة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تسريع مراحل الاستطلاع والتنفيذ والتمويه، بما في ذلك غسل العائدات عبر شبكات معقدة من المعاملات، في وقت لا تزال فيه كثير من مشاريع العملات المشفرة تعتمد على أدوات دفاعية تقليدية أو فرق أمنية محدودة الموارد، ما يوسع الفجوة بين قدرات المهاجمين والمدافعين.

أرقام تؤكد اختلال التوازن

وتؤكد الأرقام الصادرة عن شركتي Chainalysis وTRM Labs حجم هذا الاختلال البنيوي، إذ قدّرتا إجمالي المسروقات خلال 2025 بنحو 2.7 مليار دولار، وهو رقم لا يقتصر على اختراقات المنصات الكبرى، بل يشمل أيضا سرقات من محافظ رقمية فردية، ما يدل على أن دائرة الخطر باتت تمتد عبر كامل السلسلة من البنية التحتية إلى المستخدم النهائي.

كما أكدت شركة De.Fi، المشرفة على قاعدة بيانات “REKT”، التقدير نفسه لحجم الخسائر، مما يعزز موثوقية هذه الأرقام ويشير إلى نمط متكرر لا إلى حوادث معزولة.

البعد الجيوسياسي للهجمات

ولم يعد هذا المشهد محصورا في إطاره التقني أو الاقتصادي، بل اتخذ طابعا جيوسياسيا متصاعد الخطورة، مع تحول الهجمات السيبرانية على العملات المشفرة إلى أداة فاعلة ضمن صراعات دولية غير معلنة.

وفي هذا السياق، تتصدر كوريا الشمالية قائمة أبرز المستفيدين من موجة الهجمات الأخيرة، إذ تشير تقديرات كل من Chainalysis وElliptic إلى أن قراصنة مرتبطين ببيونغ يانغ استولوا على ما لا يقل عن ملياري دولار من العملات المشفرة خلال عام 2025 وحده، لترتفع الحصيلة التراكمية إلى نحو 6 مليارات دولار منذ عام 2017.

وبحسب هذه التقديرات، تُستخدم عائدات هذه العمليات في تمويل البرنامج النووي الكوري الشمالي الخاضع لعقوبات دولية مشددة، ما يجعل العملات المشفرة قناة تمويل إستراتيجية بديلة للالتفاف على النظام المالي التقليدي وآليات الرقابة الدولية.

تنوع الأهداف وهشاشة التصميم

تعكس الهجمات البارزة الأخرى خلال عام 2025 اتساع رقعة الاستهداف وتنوعه، من اختراق منصة “سيتاس” اللامركزية بخسائر بلغت 223 مليون دولار، إلى الهجوم على بروتوكول “بالانسر” المبني على شبكة إيثريوم بخسائر قدرها 128 مليون دولار، وصولا إلى اختراق منصة “فيمكس” وسرقة أكثر من 73 مليون دولار.

ويشير هذا التنوع في الأهداف، سواء كانت مركزية أو لامركزية، إلى هشاشة مشتركة في نماذج التصميم والحوكمة، حيث يؤدي الاعتماد على شفرات متشابهة ومكتبات مشتركة، إلى جانب ضعف آليات الرقابة والاستجابة، إلى تضخيم أثر أي ثغرة واحدة.

منحنى تصاعدي مقلق

تكشف المقارنة الزمنية أن الظاهرة تسير في منحنى تصاعدي واضح، إذ بلغت قيمة العملات المشفرة المسروقة نحو ملياري دولار في 2023، ثم ارتفعت إلى 2.2 مليار دولار في 2024، قبل أن تقفز إلى 2.7 مليار دولار في 2025.

ويشير هذا التصاعد المستمر إلى أن تطور أدوات الهجوم، ولا سيما مع التوظيف المتزايد للذكاء الاصطناعي، يتجاوز بوتيرة واضحة تطور آليات الدفاع والتنظيم، ما يضع قطاع الأصول الرقمية أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرته على الصمود واستعادة الثقة.

مفترق طرق حاسم

في المحصلة، تشير معطيات عام 2025 إلى أن اقتصاد العملات المشفرة يواجه مأزقا بنيويا لا يمكن معالجته بإجراءات تقنية جزئية أو حلول ترقيعية معزولة. فالتحدي لم يعد محصورا في سد ثغرة هنا أو تعزيز بروتوكول هناك، بل بات يتعلق بإعادة تعريف شاملة لمنظومة الأمن السيبراني التي يقوم عليها هذا الاقتصاد.

وأمام هذا الواقع، يقف القطاع أمام خيارين لا ثالث لهما:
إما الانتقال إلى مرحلة جديدة من الأمن السيبراني الذكي القائم على دمج الذكاء الاصطناعي في آليات الدفاع، وتعزيز الحوكمة، وبناء أطر تعاون دولي قادرة على التعامل مع البعد الجيوسياسي المتنامي للتهديدات.
أو الاستمرار بوصفه بيئة عالية المخاطر، مفتوحة على حروب سيبرانية غير مرئية تتآكل فيها الثقة مع كل اختراق كبير.

وفي عالم تتداخل فيه الخوارزميات بالسياسة، لم يعد السؤال ما إذا كانت العملات المشفرة عرضة للاختراق، بل ما إذا كانت بنيتها الحالية قادرة على الصمود والبقاء في مواجهة الجيل المقبل من الهجمات السيبرانية الذكية.

زر الذهاب إلى الأعلى