هجوم كور دالين: عودة العنف النازي الجديد في الولايات المتحدة وتنامي التطرف الأبيض

كاد نهار الأحد 29 يونيو/حزيران 2025 أن ينتصف عندما تلقت السلطات في مدينة كور دالين بولاية إيداهو الأميركية مكالمة تبلغ عن حريق على المنحدر الغربي لجبل كانفيلد قرب المدينة. بدا الأمر روتينيًّا، مجرد استجابة تقليدية من رجال الإطفاء، لكن ما حدث كان بعيدًا تمامًا عن الروتين.
حين اقتربت كتيبة الإطفاء من الموقع، فوجئوا بإطلاق نار من بين الأشجار، مما أدى إلى سقوط اثنين من رجال الإطفاء قتيلين هما فرانك هاروود، رئيس كتيبة الإطفاء والإنقاذ في مقاطعة كوتيناي، وجون موريسون، رئيس كتيبة الإطفاء في كور دالين، وإصابة ثالث بجروح. على الفور، تم نشر نحو 300 ضابط شرطة وعملاء مكتب التحقيقات الفدرالي، إلى جانب فرق فدرالية مسلحة ومروحيات تحمل قناصة للبحث عن مطلق النار.
في نهاية المطاف، عُثر على المشتبه فيه، الشاب ويس رولي البالغ 20 عامًا، ميتًا على قمة تلة قريبة ببندقية صيد بجانبه، بعد أن أطلق النار على نفسه حين حاصره رجال إنفاذ القانون. لكن ما جعل هذا الهجوم أكثر إثارة للقلق هو توقيته؛ فقد صادف ذكرى مرور 24 عامًا على تدمير المجمع السابق لمنظمة “الأمم الآرية” في المنطقة نفسها عام 2001، وهو المجمع الذي كان بمثابة المركز الأيديولوجي لمنظمة النازيين الجدد بقيادة ريتشارد بتلر.
وعلى الرغم من عدم إثبات أي صلة مباشرة بين الحادثتين، فإن التوقيت استدعى اهتمام المراقبين، إذ يعكس الهجوم استمرار أيديولوجيات التفوق العرقي للنازيين الجدد، التي تتغذى على العنف، والأسلحة، والمعتقدات الأيديولوجية التي تتجاوز الأجيال. دفاتر ويس رولي كانت مليئة بالرموز النازية منذ مراهقته، ومقربوه أشاروا إلى هوسه بالأسلحة، مما يعكس كيفية تطور النازية الجديدة من أيديولوجية هامشية إلى حركة عنيفة وشبه منظمة، تسعى إلى ترسيخ نفسها في أوساط اليمين الأميركي.
صعود وهبوط منظمة “الأمم الآرية”
تعود جذور “الأمم الآرية” إلى حركة الهوية المسيحية في سبعينيات القرن الماضي، التي اعتبرت أن البيض الآريين هم شعب الله المختار، وأن الجماعات الأخرى دونية. أسس ريتشارد بتلر المنظمة بعد وفاة ويسلي سويفت، وطورها إلى جناح شبه عسكري يجمع بين الأيديولوجيا النازية والهوية المسيحية، مع التركيز على التدريب العسكري، التجنيد الشبابي، وخلق شبكة اجتماعية وأيديولوجية متماسكة.
لكن المنظمة واجهت ضربات قانونية وعسكرية، خصوصًا بعد حادثة الاعتداء على فيكتوريا كينان وابنها عام 1998، وتدمير مقرها في 2001، ووفاة بتلر عام 2003، مما أدى إلى انهيار قوتها المؤسسية. ورغم استمرار استخدام اسم “الأمم الآرية” من قبل مجموعات لاحقة، فإن أيًّا منها لم يحقق النفوذ أو التنظيم السابق.
جيل “المسرعين” وظهور التسريعية
مع انهيار الهياكل التقليدية، تبنت النازية الجديدة نموذجًا لامركزيًا قائمًا على الخلايا الصغيرة والشبكات، مثل “آريان نيشنز ساديستيك سولز إم سي”، وجماعات مثل “شبكة الحرية الآرية” AFN، حيث تعتمد على التدريب شبه العسكري، حيازة الأسلحة، واستعداد الأعضاء للقيام بأعمال عنف فردية لتسريع انهيار المجتمع، وفق مفهوم “التسريعية” (Accelerationism).
التسريعيون يرون أن الحل لا يكمن في الإصلاح التدريجي، بل في الفوضى العرقية، عبر استخدام العنف والفوضى السياسية كوسيلة لإعادة ترتيب السلطة لصالح البيض. هذا التوجه يمثل تحولًا جوهريًا عن الانضباط المركزي لعصر “الأمم الآرية”، ويؤكد قدرة الفرد أو الخلية الصغيرة على ممارسة العنف بشكل مستقل.
التطرف الأبيض بين الهامش والمركز
اليوم، أصبحت أيديولوجيات تفوق البيض والنازية الجديدة أكثر اندماجًا ضمن الخطاب اليميني الأميركي، مستفيدة من البيئة الاجتماعية والسياسية التي تشجع على روايات “الاستبدال العرقي” والخوف الديموغرافي بين البيض، إضافة إلى عوامل اقتصادية وشعور بالانحدار الاجتماعي.
كما أسهمت التكنولوجيا ومنصات التواصل الاجتماعي في تسهيل تجنيد المتطرفين ونشر الأفكار العنيفة، ما أتاح للنازيين الجدد الوصول إلى جمهور أوسع دون الحاجة للاجتماع جسديًا كما كان الحال في المجمعات التقليدية.
إضافة إلى ذلك، فإن بعض السياسيين والإعلاميين في اليمين الأميركي يستخدمون خطابًا يتوافق جزئيًا مع أيديولوجيات تفوق البيض، ما يخلق بيئة أكثر تسامحًا مع الجماعات النازية الجديدة ويزيد من فرصها في النمو والتأثير.
خلاصة
هجوم كور دالين ليس مجرد حادث فرد مضطرب، بل يمثل تحذيرًا من عودة العنف النازي الجديد في الولايات المتحدة، وتجدد الأيديولوجية البيضاء المتطرفة. البيئة الاجتماعية والسياسية الحالية، إلى جانب التكنولوجيا الحديثة، توفر منصة مثالية لتنامي هذه الجماعات، ما يجعل من الضروري مراقبتها وفهم أطرها الفكرية والتسريعية لمنع تحول التطرف إلى موجة عنف أكبر في المستقبل.









