صحة

اكتشاف آلية جديدة تفسّر نشأة سرطان المعدة وتفتح آفاقًا علاجية واعدة

لا يزال سرطان المعدة من أكثر أنواع السرطان انتشارًا وفتكًا في شرق آسيا، ولا سيما في كوريا، ورغم خطورته الواسعة، لم يحظَ بالاهتمام البحثي ذاته الذي ناله سرطان القولون والمستقيم، الأكثر شيوعًا في الدول الغربية. وقد أدى هذا التفاوت إلى اعتماد كثير من النماذج العلمية الحالية على افتراضات مستمدة من أبحاث سرطان القولون، الأمر الذي حدّ من دقتها عند تطبيقها على مرضى سرطان المعدة.

ومن بين أبرز التساؤلات التي حيّرت الباحثين طويلًا تلك المتعلقة بالمراحل الأولى لنشوء سرطان المعدة: كيف تتمكن الخلايا السرطانية المبكرة من البقاء والنمو، رغم أن القواعد البيولوجية الطبيعية تمنعها من ذلك؟

في الحالة الطبيعية، لا تستطيع الخلايا المبطنة لجدار المعدة النمو بصورة مستقلة، إذ تعتمد بشكل كامل على إشارات تصدر من الأنسجة المحيطة بها، والمعروفة بالبيئة الدقيقة، لتحديد توقيت الانقسام أو التوقف عن النمو أو الموت الخلوي. ويُعد فقدان هذا الاعتماد إحدى السمات الأساسية للأورام السرطانية، غير أن آلية حدوثه في سرطان المعدة ظلت غامضة لعقود.

فريق بحثي دولي مشترك، قاده كل من الدكتور لي جي هيون، والدكتور كو بون كيونغ، والدكتور لي هيتاك في مركز هندسة الجينوم التابع لمعهد العلوم الأساسية في كوريا الجنوبية، وبالتعاون مع باحثين من جامعة يونسي في كوريا الجنوبية وجامعة دريسدن التقنية في ألمانيا، تصدى لهذا اللغز العلمي.

وتمكن الفريق من تحديد آلية غير معروفة سابقًا تتيح لخلايا سرطان المعدة في مراحله المبكرة الاكتفاء الذاتي من إشارات النمو، ما يوفر إطارًا جديدًا لفهم كيفية بدء المرض، ويشير إلى أهداف علاجية محتملة لم تكن مطروحة من قبل. وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة “Molecular Cancer”، وكتب عنها موقع “يوريك أليرت”.

البطانة الداخلية للمعدة ودور الإشارات الجزيئية

تُعد البطانة الداخلية للمعدة من أكثر أنسجة الجسم نشاطًا وحيوية، إذ تتعرض باستمرار للأحماض والطعام والإجهاد الميكانيكي، ما يتطلب تجددًا دائمًا ودقيق التنظيم. وللحفاظ على هذا التوازن، تعتمد خلايا المعدة على منظومة معقدة من الإشارات الجزيئية التي تتحكم في النمو والإصلاح.

ومن أبرز هذه الإشارات ما يُعرف بمسار “WNT”، حيث تقوم خلايا داعمة متخصصة في الأنسجة السليمة بإفراز جزيئات “WNT”، ما يسمح لخلايا المعدة بالبقاء والانقسام عند الحاجة فقط. وبدون هذه الإشارات الخارجية، تفقد خلايا الظهارة المعدية قدرتها على النمو.

في سرطان القولون والمستقيم، يحدث خلل معروف في هذا النظام، إذ تؤدي طفرات جينية معينة إلى تنشيط دائم لمسار “WNT”، ما يسمح للخلايا السرطانية بالنمو غير المنضبط دون الحاجة إلى دعم خارجي. إلا أن هذه الطفرات نادرة في سرطان المعدة، وهو ما أربك الباحثين طويلًا حول مصدر تنشيط إشارات “WNT” في هذا النوع من السرطان.

الاكتفاء الذاتي لإشارات النمو

تكشف الدراسة الجديدة أن خلايا سرطان المعدة تعتمد استراتيجية مختلفة جذريًا، فبدلًا من انتظار إشارات “WNT” من البيئة المحيطة، تبدأ الخلايا السرطانية في مراحل مبكرة بإنتاج هذه الإشارات بنفسها، لتتحول من خلايا مستقبِلة للإشارات إلى خلايا مولّدة لها.

وأظهر الباحثون أن هذا التحول تقوده عملية تنشيط لمسار إشارات آخر يُعرف باسم “MAPK”، وهو مسار يلعب دورًا أساسيًا في استجابة الخلايا لإشارات النمو والإجهاد. وفي سرطان المعدة، يُفعّل هذا المسار غالبًا بسبب طفرات جينية توجد لدى نحو ثلث المرضى.

وعند تنشيط مسار “MAPK”، تبدأ الخلايا السرطانية بإنتاج جزيء محدد من عائلة “WNT” يُعرف باسم “WNT7B”، ما يخلق حلقة ذاتية مكتفية: الخلية تزود نفسها بإشارة النمو، وتفعّل مسار “WNT” داخليًا، وتواصل التكاثر حتى في غياب الدعم النسيجي الطبيعي.

تحول جذري في سلوك الخلايا

وتوضح الدكتورة لي جي هيون أن هذا الاكتشاف يمثل “تحولًا جوهريًا في سلوك الخلايا”، إذ تصبح خلايا سرطان المعدة مستقلة فعليًا عن بيئتها في مرحلة مبكرة للغاية من المرض.

وجرى التوصل إلى هذه النتائج بدايةً باستخدام نماذج فئران معدلة وراثيًا، ثم تأكيدها عبر عضيات مشتقة من مرضى سرطان المعدة، وهي أورام مصغّرة ثلاثية الأبعاد تنمو مباشرة من أنسجة بشرية سرطانية، وتُحاكي بدقة بنية الأورام الحقيقية وسلوكها، ما يمنح النتائج مصداقية عالية في الربط بين النماذج الحيوانية والمرض البشري.

آفاق علاجية جديدة

تفتح هذه النتائج المجال أمام تطوير علاجات موجهة جديدة، خاصة أن سرطانات المعدة التي تعتمد على التنشيط الذاتي لمسار “WNT” تفتقر حاليًا إلى خيارات علاجية فعالة. ومن خلال فهم كيفية استمرار هذه الأورام في النمو، تبرز نقاط ضعف يمكن استهدافها دوائيًا لمنع نشوء الورم في مراحله المبكرة، قبل أن يتطور أو يكتسب مقاومة للعلاج.

وبناءً على هذه النتائج، يعمل الفريق البحثي حاليًا على تطوير استراتيجيات علاجية تهدف إلى تعطيل هذا البرنامج الإشاري بشكل انتقائي، مع الحفاظ على سلامة أنسجة المعدة السليمة.

سرطان المعدة: المرض والعوامل المؤثرة

سرطان المعدة هو ورم خبيث يصيب خلاياها، وتسهم في ظهوره عوامل متعددة، أبرزها تناول الأغذية المدخنة والمملحة والمخللات، والتدخين، إضافة إلى العدوى ببكتيريا الملوية البوابية (Helicobacter pylori).

وينتشر المرض على نطاق واسع في دول مثل الصين واليابان، ويُعد من أكثر الأورام فتكًا، إذ تشير الإحصاءات إلى أن نحو 85% من المصابين به يتوفون خلال خمس سنوات من تشخيص الإصابة.

وتلعب المعدة دورًا محوريًا في عملية الهضم، إذ تستقبل الطعام من المريء وتفرز حمض الهيدروكلوريك والإنزيمات اللازمة لتفتيته قبل انتقاله إلى الأمعاء. ويحدث السرطان عندما تطرأ طفرات على المادة الوراثية للخلايا، فتفقد قدرتها على التوقف عن الانقسام والموت الطبيعي، وتبدأ بالتمدد إلى الأنسجة المجاورة أو الانتقال إلى أعضاء أخرى.

ويرجّح العلماء أن هذه الطفرات ترتبط إلى حد كبير بالعادات الغذائية، خصوصًا استهلاك الأطعمة المدخنة والمملحة، وقد لوحظ أن تراجع هذه العادات مع انتشار وسائل الحفظ الحديثة، مثل التجميد، أسهم في انخفاض معدلات الإصابة عالميًا.

عوامل الخطر للإصابة بسرطان المعدة

تناول كميات كبيرة من الأطعمة المدخنة والمملحة
قلة استهلاك الخضار والفواكه
الإصابة بعدوى الملوية البوابية
تناول أغذية ملوثة بفطريات الأفلاتوكسين
التدخين
وجود تاريخ عائلي للمرض
فقر الدم الوبيل
وجود بوليبات معدية
الإصابة المزمنة بالتهاب المعدة

أعراض سرطان المعدة

التعب العام
الشعور بالانتفاخ أو الانزعاج بعد تناول الطعام
الإحساس بالامتلاء بعد كميات قليلة من الطعام
حرقة معدية شديدة ومزمنة
عسر هضم مستمر
غثيان وقيء
فقدان الوزن غير المبرر

زر الذهاب إلى الأعلى