تقنية

الحواسيب الحية: ابتكار علمي يدمج البيولوجيا بالحوسبة ويثير تساؤلات أخلاقية

يسعى العلماء اليوم لتحقيق العديد من الأفكار التي كانت في السابق محض خيال علمي، بدءًا من تقنيات الذكاء الاصطناعي الأولية، وصولاً إلى مفاهيم أكثر طموحًا مثل الحواسيب الحية.

ما هي الحواسيب الحية؟

تعتمد فكرة الحواسيب الحية على شبكات من الخلايا العصبية المتصلة كهربائيًا، تعمل بطريقة مشابهة لوحدات المعالجة المركزية في الحواسيب التقليدية. فهي تستقبل إشارات كهربائية تمثل المدخلات، ثم تنتج إشارات كهربائية أخرى كمخرجات، مما يجعلها قادرة على معالجة المعلومات بطريقة حيوية.

في هذا السياق، نجح فريق مختبر فاينل سبارك في سويسرا بقيادة الدكتور فريد جوردان في تطوير حواسيب حية مصغرة أطلق عليها اسم “ويت وير” (Wetware)، في إشارة إلى تمييزها عن الحواسيب التقليدية أو البرمجيات المعروفة بـ”سوفتوير”.

كيفية تصنيع الحواسيب الحية

تُصنع هذه الحواسيب من خلايا عصبية مشتقة من خلايا جذعية بشرية، يتم نموها لتشكيل ما يعرف باسم “أورغانويد” (Organoid)، وهو كرة حية من الخلايا العصبية فقط، دون أوعية دموية أو أغشية أخرى.
بعد ذلك، يتم توصيل هذه الأورغانويدات بمجموعة من الأقطاب الكهربائية، التي تنقل وتستقبل الإشارات الكهربائية، ليصبح بالإمكان تدريبها لتعمل كحواسيب حية مصغرة.

أوضحت زيارة فريق بي بي سي لمختبر فاينل سبارك أن الأورغانويدات يمكن اختبارها بتوصيلها بحاسوب تقليدي، حيث تُسجّل الاستجابات الكهربائية على مخطط يشبه رسم تخطيط الدماغ، وهو ما يشير إلى عمل الأورغانويد بشكل صحيح.

فوائد الحواسيب الحية

توفر الحواسيب الحية قدرة حوسبية عالية مع استهلاك منخفض للطاقة، لأنها تعتمد على سوائل غذائية خاصة للخلايا العصبية. ورغم أن أورغانويدات فاينل سبارك لا ترتقي لتعقيد الدماغ البشري، فإنها تحاكي قدراته الحوسبية الأساسية، ما يجعلها قابلة للاستخدام في مراكز البيانات الخاصة بالذكاء الاصطناعي بدلاً من المعالجات التقليدية.

تحديات أخلاقية وعلمية

تثير الحواسيب الحية تساؤلات أخلاقية كبيرة حول مدى شعور هذه الكيانات الحية، وما إذا كانت قادرة على الانزعاج أو تجربة أحاسيس. إذ تقول الدكتورة فلورا بروزي، عالمة الأحياء الخلوية في المختبر: “ما زال هناك الكثير الذي لا نعرفه عن آلية عمل الأورغانويد وربما تنزعج مما نقوم به”.

ويشير العلماء إلى أن الأورغانويدات عادة تموت بعد نحو 4 أشهر، فيما يُظهر نشاطها الكهربائي في اللحظات الأخيرة من حياتها تشابهًا مع ارتفاع معدل ضربات القلب والنشاط الدماغي قبل الوفاة لدى الإنسان، ما يسلط الضوء على ضرورة وضع أطر أخلاقية صارمة للتحكم في استخدام هذه التقنية.

الآفاق المستقبلية

يمثل ابتكار الحواسيب الحية خطوة علمية ثورية تفتح الباب أمام دمج البيولوجيا مع الحوسبة، وتطوير أنظمة معالجة معلومات فائقة الكفاءة، مع الحفاظ على النقاش الأخلاقي حول التعامل مع كيانات حية تمتلك بعض خصائص الدماغ البشري.

زر الذهاب إلى الأعلى