الصين تتقدم وأميركا تنكفئ: تحوّل عميق في خريطة الاستثمار العالمي

في وقت يتراجع فيه دور الولايات المتحدة بوصفها أكبر مستثمر خارجي في العالم، تتقدم الصين بثبات لتوسيع حضورها الاستثماري عبر القارات، في مشهد لا يقتصر على تبدّل الأرقام، بل يعكس تحولا هيكليا في طبيعة العلاقات الاقتصادية العالمية التي طالما حكمها تدفق أحادي الاتجاه لرأس المال.
وبينما تركز واشنطن على سياسات “إعادة توطين” الاستثمارات والوظائف داخل حدودها، تمضي بكين في بناء المصانع ومراكز البيانات والمشروعات الإنتاجية خارج أراضيها. ووفق تقرير لوكالة بلومبيرغ، فإن هذا التحول يكرّس واقعا جديدا في توازن القوى الاقتصادية، تختلط فيه حسابات السياسة بالمال بشكل غير مسبوق.
انقلاب في الاتجاهات طويلة الأجل
بعد عام 2025 الذي طغت عليه الرسوم الجمركية الأميركية وتدخلات الرئيس السابق دونالد ترامب في ملفات خارجية، عاد الحديث بقوة عن “نظام عالمي جديد”. غير أن ما يغيب عن هذا النقاش، بحسب بلومبيرغ، هو الكيفية التي يتجسد بها هذا التحول في تدفقات رأس المال طويلة الأجل.
فالولايات المتحدة، التي أمضت عقودا كمستثمر خارجي ضخم ومولّد للوظائف في الخارج، باتت اليوم تركز على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الداخل. في المقابل، انتقلت الصين من كونها دولة مستقبِلة لرأس المال إلى دولة تصدّر استثماراتها وتخلق الوظائف خارج حدودها.
أرقام تعكس التحول
خلال النصف الأول من عام 2025، تجاوز الاستثمار الصيني المتجه إلى الخارج نظيره الأميركي، ليستحوذ على نحو 10% من إجمالي الاستثمار العالمي، وفقا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وفي الوقت ذاته، استقطبت الولايات المتحدة نحو خُمس الاستثمارات الداخلة عالميا.
وتشير بلومبيرغ إلى أن هذا الاتجاه لا يزال في مراحله الأولى، مع توقعات بتسارعه، إذ يُرجّح أن تكون الاستثمارات الصينية المعلنة في المصانع الخارجية ومراكز البيانات ومشروعات “غرينفيلد” قد بلغت مستوى قياسيا في 2025، على أن تواصل الارتفاع خلال العام الجاري، وفق تقديرات مجموعة روديام.
فجوة تاريخية لكنها تضيق
ورغم هذا التسارع، لا تزال الفجوة التاريخية بين البلدين واسعة. ففي نهاية عام 2024، بلغت قيمة الاستثمارات الأميركية طويلة الأجل في الخارج نحو 6.8 تريليونات دولار، في حين قدّرت روديام رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الصيني عالميا بنحو 1.7 تريليون دولار، بعد استبعاد الاستثمارات في هونغ كونغ التي تضخم الأرقام الرسمية.
لكن بلومبيرغ تؤكد أن وتيرة التغير سريعة، مدفوعة بعوامل جديدة أبرزها الفائض التجاري الصيني الذي تجاوز تريليون دولار خلال العام الماضي.
من السندات إلى المصانع
الاختلاف الجوهري هذه المرة، كما توضح بلومبيرغ، أن فوائض الصين لم تعد تتجه أساسا إلى سندات الخزانة الأميركية، بل باتت تموّل التوسع الخارجي للشركات الصينية.
ويقول الخبير الاقتصادي السابق في وزارة الخزانة الأميركية والباحث حاليا في مجلس العلاقات الخارجية، براد سيتسر، إن “هناك خطا واضحا يربط بين تحول الصين عن إعادة تدوير فوائضها عبر احتياطيات النقد الأجنبي، وانتقالها نحو البنوك المملوكة للدولة، وبين تصاعد تمويل التوسع الخارجي للشركات الصينية”، مضيفا أن هذا التوجه قد يكون مغريا للعديد من الدول.
أبعاد جيوسياسية معقدة
ولا يفصل التقرير بين الاقتصاد والسياسة، إذ تشتكي دول عديدة من سياسات أميركية تتسم بالحمائية والتدخل، لكنها في الوقت نفسه تبدي تحفظات إزاء الاستثمارات الصينية وما قد تحمله من تبعات سياسية.
ووفق بلومبيرغ، باتت العلاقات الجيوسياسية أكثر تعقيدا، مع سعي الدول إلى الموازنة بين جذب رؤوس الأموال والحفاظ على استقلالية القرار السياسي.
بهذا المعنى، لا يبدو التحول في تدفقات رأس المال مجرد تبدل فني في وجهة الاستثمارات، بل اختبارا واسعا لقدرة الاقتصادات على التكيف مع عالم تتراجع فيه الولايات المتحدة خطوة إلى الداخل، بينما تتقدم الصين بثقل مالي متزايد إلى الخارج، وفي هذا الفراغ المتحرك، تُعاد صياغة الشراكات بهدوء يفوق ضجيج الشعارات.









