تقنية

المنزل الذكي… من رفاهية نخبوية إلى ضرورة يومية مستدامة

لم يعد مصطلح «المنزل الذكي» يثير اليوم صور القصور الفاخرة المليئة بالشاشات المعقدة، بل بات يشير إلى مسكن بسيط وعملي يوفّر المال، ويحمي البيئة، ويدعم رعاية كبار السن، في تحول يعكس تغيراً جذرياً في مفهوم السكن العصري.

وشهد هذا العام نقطة تحول حاسمة تمثلت في انتقال أنظمة المنازل الذكية من كونها كماليات حصرية للأثرياء إلى بنية تحتية أساسية متاحة لمختلف شرائح المجتمع، مدفوعة بانخفاض كبير في التكاليف، ونضج معايير التوافق بين الأجهزة، ودخول الذكاء الاصطناعي التوليدي بوصفه «مساعداً مطيعاً» لا يتطلب خبرة تقنية متقدمة.

ولسنوات طويلة، كان بناء منزل ذكي أشبه بتجميع قطع غير متجانسة من أنظمة لا تتوافق مع بعضها، إلا أن هذا المشهد تغيّر مع إطلاق النسخة الأحدث من بروتوكول الربط الموحد للمنازل الذكية «ماتر 1.4» (Matter 1.4)، الذي وضع حداً لحالة الفوضى التقنية.

ويعزز «ماتر 1.4» التكامل بين مختلف المنصات، كما يدعم فئات جديدة من الأجهزة، مثل الموزعات وموسعات الشبكة، بعد أن كان المستخدم يعاني سابقاً من «حرب الأنظمة» بين أبل وغوغل وأمازون. أما اليوم، فأصبح بإمكان أي مستخدم تشغيل أرخص مصباح ذكي أو قفل إلكتروني على أي منصة يختارها دون تعقيد.

وأدى هذا التوافق الواسع إلى ما يشبه «تأثير كرة الثلج»، حيث اشتدت المنافسة بين الشركات المصنعة، ما أسفر عن انخفاض الأسعار بنسبة تصل إلى 40% مقارنة بما كانت عليه قبل ثلاث سنوات. وتشير إحصاءات السوق مطلع هذا العام إلى أن أكثر من 78% من مشتري المنازل الجدد يعتبرون الأنظمة الذكية المدمجة شرطاً أساسياً قبل إتمام الشراء.

وفي ظل الارتفاع العالمي في تكاليف الطاقة، لم يعد الذكاء الاصطناعي المنزلي أداة للراحة فحسب، بل تحوّل إلى «مدير مالي» فعلي، إذ باتت أنظمة إدارة الطاقة الذكية قادرة على خفض فواتير الكهرباء بنسبة تتراوح بين 20% و30%.

وتعتمد هذه الأنظمة على الذكاء الاصطناعي التنبؤي، الذي يتعلم أنماط حياة أفراد الأسرة، فيطفئ التكييف في الغرف غير المستخدمة، ويضبط الإضاءة وفق ضوء الشمس الطبيعي، ويشغّل الأجهزة كثيفة الاستهلاك في أوقات انخفاض تعرفة الكهرباء.

ومن أكثر أوجه التحول إنسانية، الدور المتزايد للمنزل الذكي في دعم مفهوم «الشيخوخة في المكان»، حيث لم تعد تقنيات المراقبة مرادفة لانتهاك الخصوصية، بل أصبحت أدوات ذكية تركز على السلامة الصحية مع احترام الحياة الخاصة.

وباتت المنازل الذكية تعتمد على حساسات رادارية دقيقة من نوع «إم إم ويف» (MM-Wave) قادرة على اكتشاف سقوط كبار السن دون الحاجة إلى تصويرهم، ما يتيح التدخل السريع عبر الاتصال بالطوارئ أو تنبيه أفراد الأسرة. كما ظهرت خزائن أدوية ذكية لا تفتح إلا في مواعيد الجرعات المحددة، وترسل تنبيهات فورية في حال عدم الالتزام.

ويعتمد هذا الجيل الجديد من الأجهزة على تقنيات منخفضة الاستهلاك للطاقة مثل «ثريد» (Thread) و«واي فاي 6 إي» (Wi-Fi 6E)، مع بطاريات تدوم لسنوات أو حلول شحن لاسلكي، ما جعل التركيب والاستخدام في غاية السهولة.

وأصبحت معظم الحلول الذكية اليوم تندرج ضمن فئة «افعلها بنفسك» (DIY)، حيث يمكن لأي شخص، حتى دون خبرة تقنية، تحويل منزله التقليدي إلى منزل ذكي خلال ساعات قليلة باستخدام تطبيق هاتفي ووسائل تثبيت بسيطة، وهو ما جذب فئة المستأجرين الذين كانوا يستبعدون هذه التقنيات سابقاً.

ورغم هذا الانتشار الواسع، لا تزال المخاوف المتعلقة بالخصوصية قائمة، ما دفع شركات كبرى مثل سامسونغ وآبل إلى اعتماد تقنيات «المعالجة المحلية»، حيث يتم تحليل البيانات داخل الجهاز نفسه بدلاً من إرسالها إلى السحابة، الأمر الذي يقلل مخاطر الاختراق وتسريب المعلومات الشخصية.

ويعكس هذا التحول الشامل تغيراً واضحاً في العقلية العامة، إذ لم يعد التركيز منصباً على عنصر الإبهار، بل على الاستدامة والكفاءة. ويرى مراقبون أن المنازل الذكية باتت جزءاً من شيفرات البناء الحديثة، ما ينذر بمستقبل تصبح فيه المنازل شريكاً أساسياً في حماية البيئة والحفاظ على ميزانية الأسرة في آن واحد.

زر الذهاب إلى الأعلى