الواقع الجيوسياسي السوري: بين العلاقات الإقليمية والتحديات الدولية بعد الثورة

يلعب الواقع الجيوسياسي السوري دورًا محوريًا في تحديد علاقات سوريا الإقليمية والدولية، سواء في ظل النظام السابق أو بعده. فقد استفاد النظام السابق من موقع سوريا الاستراتيجي في نسج علاقات متعددة مع الأضداد، بما في ذلك علاقات متوترة أحيانًا مع الولايات المتحدة الأميركية، تجلت في السماح له بالتحكم العسكري في لبنان أثناء الحرب الأهلية، والتعاون مع التحالف الدولي بعد غزو الكويت. ومع دخول الألفية الجديدة، أصبح النظام جزءًا من ما يُعرف بمحور المقاومة والممانعة.
زيارة تاريخية أم مقايضة سياسية؟
شكلت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الولايات المتحدة ولقاؤه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب حدثًا تاريخيًا، إذ كانت أول زيارة لرئيس سوري إلى واشنطن بعد رفع اسمه من قوائم الإرهاب. وجاءت الزيارة في ظل أزمة اقتصادية خانقة في سوريا نتيجة العقوبات الأميركية “قانون قيصر”، ووجود قوات قسد المدعومة أميركياً في مناطق الثروة السورية، فضلاً عن التوغل الإسرائيلي على الأراضي السورية بعد استيلائها على مرتفعات جبل الشيخ.
ورغم التفاؤل الشعبي بإمكانية رفع العقوبات، إلا أن قانون قيصر ظل ورقة ضغط سياسية على دمشق، مؤثرًا على إعادة الإعمار ومُعيقًا أمام تطلعات الشعب السوري.
موقف إسرائيل من الثورة السورية
منذ اندلاع الثورة في مارس 2011، تبنت إسرائيل موقفًا مختلفًا عن بقية الثورات العربية، إذ اعتبرت سوريا جوارًا استراتيجيًا حساسًا، مع حدود هادئة نسبيًا طوال حكم النظام السابق. ومع سقوط الدولة العميقة، كان على إسرائيل الاختيار بين السماح بعودة النظام أو مواجهة الدولة الجديدة القادمة من الثورة، مع التركيز على حماية مصالحها وتأمين حدودها.
أظهرت الأحداث أن إسرائيل صارت صاحبة الكلمة العليا في بقاء النظام السوري، سواء من خلال الموافقة على التدخل الروسي أو الصمت تجاه التحركات الأميركية، وذلك للحفاظ على توازن القوى الإقليمي ومنع الثورة من السيطرة على الحدود والمناطق الاستراتيجية.
السقوط المفاجئ والتوغل الإسرائيلي في الجنوب
مع هزائم حلفاء النظام في أوكرانيا وتراجع قدرات حزب الله، بدأت مناطق الجنوب السوري تشهد تقدمًا إسرائيليًا مباشرًا بعد إسقاط النظام في ديسمبر 2024، حيث دمرت إسرائيل السلاح النوعي السوري لتجنب انتقاله إلى الثوار، واستهدفت المقرات العسكرية والمدنية، في محاولة لخلق واقع جديد بعد التخلي عن اتفاقية فك الاشتباك عام 1974.
معوقات صناعة منطقة عازلة في الجنوب
تواجه إسرائيل تحديات في خلق مناطق عازلة تحت سيطرة أقليات محلية، خاصة في السويداء، إذ لا تمثل القيادة المحلية موقف جميع الدروز، كما أن غياب الحدود المباشرة مع إسرائيل يعقد أي خطة للنفوذ المباشر. ورغم ضغوط إسرائيل، تلتزم القيادة السورية بعدم الدخول في صراع، مع تأكيد رفض التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي وضرورة انسحابها من الجولان.
الخلاصة
يعكس الوضع السوري تداخل المصالح الإقليمية والدولية بين الحفاظ على الدولة الوطنية، وضغوط الاحتلال الإسرائيلي، والتدخلات الأميركية والروسية، مع التحديات الداخلية المتمثلة في إعادة بناء سوريا المدمرة وإدارة علاقاتها مع الأقليات والمجتمعات المحلية، في ظل بيئة جيوسياسية معقدة لا تزال تتغير بوتيرة متسارعة.









