تصعيد غير مسبوق بين واشنطن وطهران: تهديدات متبادلة وحشد عسكري يرفع منسوب التوتر

وسط تصاعد طبول الحرب، أفادت وكالات أنباء عالمية وصحف أمريكية بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب دعا إيران، الأربعاء، إلى الإسراع بالجلوس إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي، محذرا من أن أي هجوم أمريكي مقبل سيكون «أشد قسوة بكثير» من الضربات السابقة.
وقال ترمب، في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إن الوقت «ينفد»، معربا عن أمله في التوصل إلى «اتفاق عادل ومنصف دون أسلحة نووية، يصب في مصلحة جميع الأطراف». وأضاف أن «الهجوم المقبل سيكون أسوأ بكثير»، مشيرا إلى تحرك أسطول أمريكي جديد باتجاه إيران.
ويأتي هذا التصعيد في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط حشدا عسكريا أمريكيا لافتا، حيث أكد ترمب اقتراب قوة بحرية تقودها حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» من المنطقة. وكان مسؤولان أمريكيان قد كشفا أن الحاملة وسفنا حربية مرافقة لها وصلت بالفعل إلى الشرق الأوسط، بعد تحركها من منطقة آسيا والمحيط الهادئ، في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران عقب الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في إيران أواخر ديسمبر 2025 نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
في المقابل، حذرت طهران من أي عمل عسكري أمريكي، إذ قال علي شمخاني، مستشار المرشد الأعلى علي خامنئي، إن أي هجوم سيقابل باستهداف إيران للولايات المتحدة وإسرائيل وكل من يدعمهما. كما أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن «يد القوات المسلحة الإيرانية على الزناد» وجاهزة للرد السريع والحاسم على أي اعتداء.
وأوضح عراقجي أن الدروس المستخلصة من «حرب الأيام الاثني عشر» عززت قدرة إيران على الرد بقوة وسرعة وعمق أكبر، مؤكدا في الوقت نفسه أن بلاده منفتحة على اتفاق نووي عادل ومتوازن يخدم الطرفين، وخالٍ من التهديد أو الإكراه، ويضمن حق إيران في التكنولوجيا النووية السلمية مع التأكيد على عدم امتلاكها أسلحة نووية.
وشدد الوزير الإيراني على أن «لا مكان للأسلحة النووية في العقيدة الأمنية الإيرانية»، وأن طهران لم تسع يوما إلى امتلاكها. وأشارت مصادر مطلعة إلى أن جوهر الخلاف بين الطرفين يتمثل في مطالبة واشنطن بفرض قيود على مدى الصواريخ الباليستية الإيرانية، وهو ما ترفضه طهران بشكل قاطع.
وبحسب المصادر، تبادل الجانبان خلال الشهر الجاري رسائل غير مباشرة عبر وسطاء عمانيين، في محاولة لاستكشاف إمكانية عقد لقاء يهدف إلى تفادي هجوم أمريكي محتمل. كما جرى نقاش محدود حول عقد اجتماع مباشر بين عراقجي والمبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف، إلا أن الوزير الإيراني نفى أي تواصل حديث أو طلب لعقد مفاوضات مباشرة.
من جهته، أكد الحرس الثوري الإيراني أن الواقع الميداني يختلف عن «الدعاية الإعلامية للعدو»، مشددا على امتلاكه خططا لجميع السيناريوهات المحتملة، وعلى إشرافه الكامل على تحركات خصومه. وأضاف أن تجربة «حرب الأيام الاثني عشر» أثبتت فشل الخيار العسكري ضد إيران، وأن القوات المسلحة الإيرانية هي من تحدد نهاية أي مواجهة.
ووصف الحرس الثوري إرسال حاملة طائرات أمريكية وخلق أجواء الحرب بأنه «أسلوب قديم»، متهما واشنطن بشن حرب نفسية للتأثير على الرأي العام الإيراني، ومؤكدا أن الوضع الميداني تحت السيطرة.
سياسيا، حذر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف من أن بلاده سترد على أي هجوم، مشيرا إلى أن آلاف العسكريين الأمريكيين سيكونون في دائرة الخطر. كما أكد استعداد إيران للتفاوض مع الولايات المتحدة، شرط أن تكون المفاوضات «صادقة وحقيقية».
وفي السياق نفسه، طالب المندوب الإيراني لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني، في رسالة رسمية إلى مجلس الأمن الدولي، بوقف جميع التهديدات والأعمال غير القانونية والمزعزعة للاستقرار ضد إيران، محملا الولايات المتحدة مسؤولية أي عواقب «خارجة عن السيطرة» قد تترتب على أي عمل عدواني.
في المقابل، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن الحكومة الإيرانية «أضعف من أي وقت مضى»، مشيرا إلى تدهور الاقتصاد الإيراني واحتمال عودة الاحتجاجات بقوة. وأضاف أن القوات الأمريكية في المنطقة تقع ضمن مدى الصواريخ الإيرانية، داعيا إلى الاستعداد لمنع أي هجوم استباقي.
ونقلت تقارير عن مصادر أمريكية مطلعة أن ترمب يدرس عدة خيارات عسكرية، تشمل ضربات جوية موجهة تستهدف قيادات أمنية ومؤسسات حكومية ومواقع نووية، بهدف إضعاف النظام الإيراني وتهيئة الظروف لتغيير في القيادة، مؤكدة أن القرار النهائي لم يُحسم بعد. كما أشارت تقارير استخباراتية إلى أن القيادة الإيرانية لا تزال متماسكة رغم الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات، دون وجود انقسامات كبيرة داخل هرم السلطة.
وعلى صعيد القيادة الإيرانية، أفاد مسؤولون إقليميون ودبلوماسيون بأن المرشد الأعلى علي خامنئي، رغم تراجع ظهوره العلني وتقليص دوره في إدارة الشؤون اليومية، لا يزال يحتفظ بالسلطة النهائية في الملفات الحساسة، خصوصا تلك المتعلقة بالحرب والبرنامج النووي. وأوضحوا أن خامنئي يقيم في مواقع آمنة منذ الضربات الإسرائيلية التي أدت، العام الماضي، إلى مقتل عدد من كبار القادة العسكريين.
وأشار المسؤولون إلى أن إدارة الشؤون اليومية انتقلت إلى شخصيات مقربة من الحرس الثوري، من بينهم علي لاريجاني، في ظل هيمنة الحرس على المنظومة الأمنية وقطاعات واسعة من الاقتصاد، ما يعزز نفوذه السياسي والمؤسسي ويجعل أي تغيير جوهري في بنية السلطة أمرا بالغ الصعوبة.
دوليا وإقليميا، حذر دبلوماسيون غربيون وعرب من تداعيات أي تصعيد عسكري واسع، مشيرين إلى مخاوف من انزلاق إيران إلى فوضى داخلية أو صراع أهلي، وما قد يرافق ذلك من اضطرابات إقليمية، وتدفقات للاجئين، وتهديد لأمن الطاقة العالمية، خاصة عبر مضيق هرمز. كما أعرب مسؤولون إسرائيليون وغربيون عن شكوكهم في قدرة الضربات الجوية وحدها على إحداث تغيير جذري في النظام الإيراني، محذرين من نتائج عكسية قد تعزز نفوذ الحرس الثوري بدلا من إضعافه.









