أنباء دولية

حزب الله في مواجهة مرحلة ما بعد الحرب.. بين تهديدات ترمب وحسابات البقاء

في 21 يناير/كانون الثاني 2026، عاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى لعب دوره المفضل في إشغال الرأي العام ووسائل الإعلام بتصريحات صادمة، خلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في سويسرا، أحد أبرز التجمعات السنوية لقادة السياسة والاقتصاد في العالم.

وخاطب ترمب الحضور باللغة ذاتها التي قادته إلى البيت الأبيض لولايتين رئاسيتين، لكن هذه المرة لم يكن جمهوره أميركيا فقط، بل العالم بأسره. لغة لم تحمل مضامين دبلوماسية بقدر ما عبّرت عن منطق القوة، واستحضرت الأنا “الترمبية” كرجل صفقات، مستندة إلى إرث طويل من النزعة التوسعية في التاريخ الأميركي.

وخلال خطابه، تفاخر ترمب بحصول الولايات المتحدة على 50 مليون برميل نفط من فنزويلا، وشدد على ضرورة ضم جزيرة غرينلاند، واصفا إياها بـ”قطعة الجليد الكبيرة”، كما وجّه توبيخا للأوروبيين قائلا: “لولا انتصارنا في الحرب العالمية الثانية لكنتم اليوم تتحدثون الألمانية وربما اليابانية”، ولم ينس إعادة التذكير بروايته حول “تزوير” الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2020 لإسقاطه.

وفي سياق هذا الخطاب المطول، الذي استغرق نحو ساعة ونصف، جاءت إشارة ترمب إلى حزب الله مقتضبة وغامضة، إذ قال: “هناك مشكلة مع حزب الله في لبنان، وسنرى ما سيحدث هناك”، وهي عبارة فتحت الباب أمام تفسيرات متعددة، وأعادت الحزب إلى واجهة الخطاب السياسي والأمني الأميركي، في لحظة إقليمية بالغة الحساسية تتقاطع فيها التهديدات الإسرائيلية بشن عملية عسكرية واسعة، مع مؤشرات على احتمال توجيه ضربة أميركية لإيران، بما يعيد طرح سيناريوهات التصعيد متعدد الجبهات.

في المقابل، جاء رد الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم لافتا من حيث النبرة والتوقيت، إذ توعّد على غير عادته، قائلا بعد نحو أسبوع من تصريحات ترمب: “الحرب على إيران قد تشعل المنطقة هذه المرة. نحن مصممون إذا استهدفت إيران على الدفاع، وسنختار كيف سنتصرف. التهديد لمرشد الثورة آية الله علي خامنئي يمسّ استقرار المنطقة، والمساس به اغتيال للاستقرار”.

في ضوء هذه التطورات، يبرز تساؤل جوهري حول كيفية استعداد حزب الله للمرحلة المقبلة، في ظل بيئة استراتيجية متغيرة، وضغوط دولية متصاعدة، واحتمالات مواجهة تتطلب جاهزية عسكرية وسياسية ومجتمعية، رغم الخسائر الفادحة التي تكبدها الحزب في حرب عام 2024، المعروفة بمعركة “أولي البأس”.

الحرب التي لم تنتهِ

تكبد حزب الله خلال الضربات الإسرائيلية، لا سيما في خريف 2024، خسائر جسيمة طالت بنيته القيادية والأمنية والعسكرية. وشملت هذه الضربات اغتيالات نوعية واختراقات تقنية كشفت عمق الاختراق الإسرائيلي، وصولا إلى فقدان الحزب، بحسب تصريحات أمينه العام، نحو 5000 مقاتل وإصابة قرابة 13 ألفا في معركتي “الإسناد” و”أولي البأس”.

وتواصلت الخسائر بعد وقف إطلاق النار، مع اغتيال إسرائيل نحو 350 عنصرا من الحزب في هجمات شبه يومية، طالت مختلف المستويات التنظيمية، بما في ذلك قائده العسكري الجديد هيثم طبطبائي.

ورغم ذلك، يرى الحزب أن هذه الخسائر بقيت ضمن الإطار التكتيكي، ولم تؤد إلى انهيار استراتيجي شامل، مستدلا برفضه تسليم سلاحه أو الاعتراف بشرعية وجود إسرائيل.

وتركز أولويات الحزب الميدانية حاليا على إعادة ملء الفراغات التنظيمية، وترميم الوحدات القتالية، وتشديد الإجراءات الأمنية، مع اعتماد وضعية دفاعية تهدف إلى منع أي اجتياح بري إسرائيلي ورفع كلفته، بدلا من السعي إلى فرض معادلات ردع جديدة أو وقف الاغتيالات اليومية بالقوة.

ويدرك الحزب أن إسرائيل استثمرت ثغرات بشرية وتقنية تراكمت بعد حرب 2006، خصوصا مع توسع بنيته التنظيمية وتحوله من خلايا صغيرة إلى تنظيم أكثر نظامية، بلغ ذروته خلال مشاركته في الحرب السورية دعما لنظام الأسد.

وفي فترة زمنية قصيرة، تكشّف حجم الاختراق عبر تفجيرات أجهزة النداء والاتصالات، وتدمير مخازن أسلحة، وصولا إلى اغتيال الأمين العام السابق حسن نصر الله وعدد كبير من القادة البارزين. ومنذ ذلك الحين، باتت إعادة بناء المنظومة الأمنية، بما فيها أنظمة الاتصال والقيادة والسيطرة، على رأس أولويات الحزب، وسط اختبارات ميدانية قاسية بفعل استمرار الاغتيالات.

رفض نزع السلاح وخيار الحرب

تركز الخطاب الإسرائيلي بعد وقف إطلاق النار بداية على جنوب نهر الليطاني، قبل أن يتوسع ليكشف أن القلق الحقيقي يتمحور شمال النهر، حيث تنتشر منظومات الصواريخ الثقيلة ومنصات الإطلاق بعيدة المدى ومنشآت تصنيع المسيّرات.

وقد قبل حزب الله بترتيبات نزع سلاحه جنوب الليطاني، لكنه رفض بشكل قاطع أي نقاش حول نزع السلاح شمال النهر، رابطا ذلك بحوار داخلي لبناني حول استراتيجية دفاع وطني. كما لوّح بالذهاب إلى خيار الصدام لوقف هذا المسار، حتى لو أدى إلى فتنة داخلية أو حرب أهلية.

ويُبنى قرار الحرب لدى الحزب على شبكة معقدة من الاعتبارات، يتقدمها العامل الداخلي اللبناني بما يحمله من انقسامات سياسية وأزمات اقتصادية واجتماعية، ما يجعل أي تصعيد واسع قرارا بالغ الكلفة داخليا قبل أن يكون خارجيا.

لذلك تعتمد مقاربة الحزب الحالية على الحفاظ على الوجود، وكسب الوقت لترميم الخسائر، وترقب مآلات التهديدات الأميركية لإيران، الداعم الأساسي للحزب سياسيا وماليا ولوجستيا. وتشير تقديرات أميركية إلى أن طهران قدمت نحو مليار دولار للحزب خلال عام 2025.

وفي هذا السياق، يحرص الحزب على تجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل أو الانخراط في صراعات إقليمية، كما حدث خلال الحرب الإيرانية الإسرائيلية منتصف 2025، رابطا أي تدخل عسكري بتعرض الأراضي اللبنانية لاجتياح بري أو عملية واسعة النطاق.

غير أن هذا التقدير يبقى مرهونا بطبيعة الصراع، إذ قد يتغير موقف الحزب في حال انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية مفتوحة تهدد وجود إيران نفسها.

خطابات الأمين العام

بالتوازي مع إعادة ترميم البنية التنظيمية، كثّف نعيم قاسم خطاباته، موجها رسائل متعددة للداخل الحزبي وحاضنته الشعبية، وللمكونات اللبنانية، وللإقليم والمجتمع الدولي، بهدف إعادة تعريف الصراع وترسيم خطوطه الحمراء الجديدة، واحتواء تداعيات الخسائر.

ويركز قاسم في خطاباته على جذور الصراع مع إسرائيل، معتبرا أن المشكلة تكمن في الاحتلال لا في سلاح المقاومة، مقدما إسرائيل بوصفها مشروعا توسعيا استعماريا يسعى لتحقيق “إسرائيل الكبرى”، ومؤكدا استحالة أي حل سياسي أو تسوية تفاوضية.

ويستند في ذلك إلى قراءة تاريخية، مشيرا إلى اجتياح 1982 الذي بدأ بذريعة وقف صواريخ الكاتيوشا، وانتهى بحصار بيروت وإخراج منظمة التحرير الفلسطينية، قبل أن ينسحب الاحتلال عامي 1985 و2000 تحت ضغط المقاومة.

ويربط قاسم هذا المسار باتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، معتبرا أن الحزب منح الدولة اللبنانية فرصة للقيام بدورها، لكنه حذر في الوقت نفسه من استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، قائلا في يناير/كانون الثاني 2026: “لكل شيء حد، ولا يمكن أن تستمر الأمور إلى ما لا نهاية”.

ويميز قاسم بين الردع والتحرير، معتبرا أن الردع كان حالة استثنائية بين 2006 و2023، بينما تبقى وظيفة المقاومة الأساسية هي التحرير، مهما استغرق ذلك من وقت، محملا الدولة مسؤولية كبح الاعتداءات.

مبادرة إقليمية

يسعى قاسم إلى نقل المواجهة من كونها شأنا خاصا بحزب الله إلى مسؤولية جماعية عربية وإسلامية، داعيا إلى تجاوز الخلافات والنظر إلى الحزب وحركة حماس كخط دفاع أول في مواجهة إسرائيل، ومحذرا من أن الضغط عليهما يصب في المصلحة الإسرائيلية.

وفي المقابل، يقدم الولايات المتحدة كطرف منحاز بالكامل لإسرائيل، يستخدم أدوات متعددة للضغط، من بينها التسليح المشروط للجيش اللبناني، وعرقلة الإعمار، وتجفيف مصادر تمويل الحزب.

ويخلص قاسم إلى أن واشنطن تحاول تحقيق بالسياسة ما عجزت عنه إسرائيل بالحرب، رافضا التعاطي بجدية مع المبادرات الأميركية لغياب الضمانات وانحياز الوسيط.

في المحصلة، تتمحور أولويات حزب الله الراهنة حول إيقاف العدوان، وإخراج الاحتلال، وبدء الإعمار، إلى جانب الحفاظ على الوجود وترميم البنية الداخلية، وحشد الحاضنة الشعبية، وفتح قنوات إقليمية جديدة، في انتظار ما ستؤول إليه التحولات الكبرى في المنطقة وسياسات ترمب التي تضيف مزيدا من الإرباك إلى المشهد الدولي.

زر الذهاب إلى الأعلى