تقنية

سبع شركات تكنولوجية عملاقة تتحول إلى قوى فوق سيادية وتعيد رسم الاقتصاد العالمي

لم يعد المشهد الاقتصادي العالمي محكومًا فقط بقوانين النمو والانكماش أو بسياسات الدول والبنوك المركزية، بل دخلت سبع شركات خاصة مساحة النفوذ الأعلى، متجاوزة قوة دول صناعية كبرى رغم عدم امتلاكها جيوشًا أو مقاعد في الأمم المتحدة.

في عصر تُقاس فيه القوة بالبيانات والحوسبة والذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه الشركات مراكز سيادة موازية تعمل خارج الإطار التقليدي للدولة، وتعيد رسم خرائط الاقتصاد والسياسة والحقوق على مستوى العالم. هذه الكيانات هي: آبل، مايكروسوفت، إنفيديا، أمازون، ألفابت، ميتا، وغوغل، وتمتلك ثلث القيمة السوقية لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 الذي يتجاوز 51 تريليون دولار، في صعود تاريخي يقوده خصوصًا آبل وإنفيديا.

منظومات رقمية مغلقة وقوة تفوق الدولة
لم تعد هذه الشركات مجرد منتجة للتكنولوجيا، بل مهندسة للبيئات الرقمية التي نعيش ضمنها، تبني منظومات مغلقة تتشابك فيها البيانات والخوارزميات والبنى السحابية والعتاد الحوسبي، لتشكل فضاءً اقتصاديا ومعرفيا مغلقًا تتحكم فيه وحدها. أصبح المستخدم والمطور جزءًا من شبكة مترابطة تحكمها هذه الشركات، حيث تُعاد صياغة العلاقات داخليًا عبر الخوارزمية لا القانون.

تتسلل هذه المنظومات إلى مستويات كانت تقليديًا حكرًا على الدول، مثل البحث العلمي، الأمن السيبراني، التعليم، الإعلام، الخدمات الحكومية، وبنى الاتصالات، لتصبح سلطة ناعمة تتجاوز الحدود، حيث يتوسع نفوذها مع كل تدفق للبيانات وكل عملية حوسبة وكل اتصال عبر السحابة.

إنفيديا، على سبيل المثال، تجاوزت قيمتها السوقية 4.4 تريليون دولار، ما يفوق اقتصاد اليابان، لتصبح مزودًا للبنية التحتية الفكرية للذكاء الاصطناعي الحديث، مشبهةً بقوة من يتحكم بالكهرباء في القرن العشرين أو بالنفط في السبعينيات.

صعود غير مسبوق وأزمة تركّز السوق
شهدت الأسواق الأميركية ارتفاعًا تاريخيًا في تقييمات شركات التكنولوجيا، حيث تحول استثمار بسيط بقيمة 7 آلاف دولار عام 2015 إلى نحو 470 ألف دولار اليوم، لكن هذا الصعود يطرح تساؤلات حول ما إذا كان انعكاسًا لثورة الذكاء الاصطناعي أم فقاعة مالية قائمة على التوقعات أكثر من الواقع. التركيز الكبير للثروة والقيمة في عدد محدود من الشركات جعل الأسواق تعتمد على “أعمدة تحمل سقف السوق”، ما يجعل أي خلل فيها يسبب هزة نظامية عالمية.

كما يحذر خبراء من أن كل موجة صعود متطرفة تحمل في داخلها بذور التصحيح، مهما بدا الصعود مبنيًا على الابتكار التكنولوجي، وهو ما يصفه الرئيس التنفيذي لشركة “نيوفيجن لإدارة الثروات” ريان ليمند بقوله: “استفد من الفقاعة طالما استمرت.. لكن تذكّر أنها ستنفجر”.

سلطة بلا ضوابط ومخاطر على الديمقراطية
تجاوز تأثير هذه الشركات حدود الاقتصاد إلى فضاءات أكثر حساسية: تشكيل الوعي، صناعة السلوك البشري، والتحكم بالبنية التحتية الرقمية، ما دفع المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك للتحذير من تهديد تركّز القوة الاقتصادية والبيانية في سبع شركات فقط للديمقراطية وحقوق الإنسان.

يمتد نفوذها ليشمل بيانات مليارات البشر، أدوات الذكاء الاصطناعي، المنصات الاجتماعية، والبنية السحابية والحوسبية التي تعتمد عليها الحكومات والمؤسسات المالية والإعلامية والصحية. ما كان سياديًا للدول أصبح تحت سيطرة كيانات خاصة تعمل عالميًا مع محاسبة جزئية فقط من الحكومات أو المعايير الدولية.

بين الفرصة والمخاطر
تقف البشرية أمام ثنائية دقيقة: من جهة ثورة تكنولوجية هائلة تعزز الإنتاجية والتحولات الإيجابية، ومن جهة أخرى هيمنة مطلقة للشركات الكبيرة تخلق اختلالات اقتصادية وسياسية، وتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة للهيمنة.

يبقى السؤال المحوري: هل يستطيع النظام الدولي وضع حوكمة عالمية توقف الانفلات التكنولوجي وتحمي الديمقراطية وحقوق الإنسان، أم أن العالم يتجه نحو مستقبل تصنعه شركات أصبحت أكبر تأثيرًا من الدول والحكومات والمؤسسات التقليدية؟

في المحصلة، يمثل السبعة الكبار ظاهرة اقتصادية وسياسية جديدة: قوى عابرة للدولة، تصنع المستقبل، لكنها قد تهدد النظام العالمي إذا لم تُخضع لضوابط تحمي الإنسان قبل التكنولوجيا، والحق قبل الخوارزمية.

زر الذهاب إلى الأعلى