أنباء دولية

عام على حكم أحمد الشرع: تحولات داخلية وانفتاح خارجي يعيدان رسم ملامح سوريا الجديدة

بعد مرور عام على التحولات الكبرى التي أعقبت سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، تدخل سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع عامها الثاني مع حلول يناير/كانون الثاني 2026 وهي محمّلة بملفات معقدة، لكنها أيضاً تحمل قدراً ملحوظاً من الفرص والانفراجات السياسية والاقتصادية والأمنية. فقد عملت الحكومة خلال العام الأول على إعادة بناء مؤسساتها وتفعيل حضورها الإقليمي والدولي، بالتوازي مع تحسين بعض الخدمات الأساسية وإرساء حدّ من الاستقرار في المدن الكبرى، رغم بقاء تحديات واسعة تتعلق بالبنية التحتية، والاقتصاد، والمصالحة الوطنية.

تحولات جذرية في العلاقات الدولية

شهدت السياسة الخارجية السورية تغييراً جذرياً في مسارها التقليدي، إذ أعادت دمشق تموضعها الإقليمي عبر تعزيز علاقاتها مع تركيا والسعودية وقطر والأردن، إضافة إلى انفتاح اقتصادي متزايد مع الإمارات. أما على المستوى الدولي، فقد اتجهت سوريا الجديدة نحو علاقات أكثر توازناً مع الغرب، وتُوّج هذا المسار بزيارة الرئيس الشرع لواشنطن في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وإعلان دمشق لاحقاً انضمامها للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

وانعكست هذه الانفراجة على تعزيز الشرعية الدولية للحكومة الجديدة، خاصة بعد قرار مجلس الأمن الذي أزال العقوبات عن أبرز المسؤولين وفي مقدمتهم الرئيس الشرع. كما ظهرت مؤشرات إيجابية على إمكانية إلغاء كامل العقوبات الأميركية المفروضة بموجب قانون قيصر، بعد تصريحات صادرة عن مسؤولين في الكونغرس الأميركي بدعم هذا الاتجاه.

أما العلاقة مع روسيا، التي شكلت ركناً أساسياً في الحقبة السابقة، فقد تحولت من علاقة قائمة على الدعم المشروط لنظام الأسد إلى شراكة قائمة على التنسيق. وشهدت الفترة الماضية زيارات متبادلة رفيعة المستوى، أبرزها لقاء الشرع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، تلاه بدء تعاون عسكري وأمني مشترك خصوصاً في الجنوب السوري، وزيارة وفد روسي تقني لمحافظة القنيطرة.

كما بدأت علاقات دمشق مع الصين تأخذ منحى أكثر إيجابية، بدءاً من امتناع بكين عن استخدام الفيتو ضد قرار رفع العقوبات، وصولاً إلى استقبال وزير الخارجية السوري في العاصمة الصينية والاتفاق على تأسيس مجلس أعمال مشترك.

قفزة في قطاع الطاقة الكهربائية

حققت سوريا خلال العام الأول تحسناً لافتاً في قطاع الكهرباء، إذ أعلنت وزارة الطاقة ارتفاع ساعات التغذية إلى 14 ساعة يومياً في معظم المدن، مقارنة بـ4 إلى 6 ساعات سابقاً. وفي بعض المناطق، مثل مدينة حلب، وصل التيار إلى نحو 20 ساعة يومياً.

وترافق ذلك مع توقيع مذكرات تفاهم مع شركات دولية لتطوير محطات التوليد، أبرزها الاتفاق الموقع في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي مع تحالف شركات متخصص في بناء محطات الطاقة. ومن شأن هذا التطور أن ينعكس مباشرة على القطاعات الصناعية والتجارية ويُعيد تنشيط عجلة الإنتاج.

استقرار أمني نسبي ومكافحة الجريمة

شهدت المدن الكبرى مثل دمشق وحلب واللاذقية تحسناً واضحاً في الوضع الأمني مقارنة بالأعوام السابقة. فقد نفذت القوات الأمنية عمليات واسعة ضد خلايا من فلول النظام السابق وتنظيم الدولة، كما أُلقي القبض على شخصيات بارزة من الشبكات المسلحة السابقة، من بينهم وسيم الأسد الذي كان يقود مجموعات متورطة في تجارة المخدرات.

وأسهمت هذه العمليات في خفض معدلات الجريمة، إذ أعلنت الجهات الأمنية في حلب القبض على 150 لصاً خلال شهر واحد، مقابل 1500 حالة سرقة سُجلت في النصف الأول من عام 2024.

كما حالت الحكومة دون اندلاع مواجهات عشائرية واسعة، وأبرز مثال ذلك تدخلها لاحتواء التوتر في حمص خلال نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. وفي ديسمبر/كانون الأول، نفذت القوات السورية بالتعاون مع القيادة المركزية الأميركية عملية مشتركة ضد 15 مستودع أسلحة تابع لتنظيم الدولة.

خطوات سياسية داخلية وإعادة بناء المؤسسات

نجحت الحكومة في أكتوبر/تشرين الأول 2025 في تنظيم أول انتخابات تشريعية بعد سقوط النظام السابق، بطريقة الانتخاب غير المباشر نظراً لعجز الدولة حالياً عن إجراء إحصاء شامل للسكان. وأسفرت الانتخابات عن مجلس يضم ممثلين من مختلف المحافظات والمكونات، بما فيها الكرد والتركمان وبعض الأقليات الدينية، على أن يعين الرئيس الشرع ثلث الأعضاء لضمان توازن التمثيل.

كما توصلت الحكومة في مارس/آذار إلى اتفاق سياسي مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يقضي بإقرار وحدة الأراضي السورية والاعتراف بالحكومة، رغم استمرار التعثر في وضع آلية لدمج قوات قسد ضمن مؤسسات الجيش والأمن.

انتعاش اقتصادي نسبي واستعادة التواصل مع المؤسسات الدولية

شهد الاقتصاد السوري إشارات تعافٍ أولي بعد سنوات طويلة من الانهيار، إذ أعلن مصرف سوريا المركزي استعادة الارتباط بنظام “سويفت” المالي العالمي، كما استأنفت دمشق اتصالاتها مع صندوق النقد الدولي عقب زيارة وفد منه في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

وفي القطاع الاستثماري، أكد الرئيس الشرع خلال مشاركته في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار بالرياض أن سوريا جذبت استثمارات بلغت 28 مليار دولار منذ سقوط النظام السابق. من جهته، توقع البنك الدولي نمواً اقتصادياً بنسبة 1% في عام 2025، بعد انكماش بنسبة 1.5% في 2024.

وفي خطوة مهمة باتجاه الاقتصاد الرقمي، أعلنت “فيزا” العالمية في ديسمبر/كانون الأول خارطة طريق لتأسيس منظومة مدفوعات رقمية متكاملة في سوريا.

وعلى مستوى العودة الطوعية، عاد أكثر من 1.2 مليون سوري إلى البلاد منذ مطلع 2025، بينهم مئات من أصحاب رؤوس الأموال، فيما عادت نحو 960 منشأة صناعية في حلب للعمل.

طريق طويل نحو التعافي

ورغم ما تحقق خلال العام الأول من حكم الشرع من تقدم سياسي، وتحسن أمني نسبي، وانفتاح دولي، فإن سوريا لا تزال تواجه تحديات عميقة، أبرزها هشاشة الوضع الأمني في الأرياف، وضعف البنية التحتية، والحاجة لإصلاحات اقتصادية واسعة، إضافة إلى ضرورة تعزيز المصالحة الوطنية وتجنب تحويل البلاد مجدداً إلى ساحة للصراعات الدولية.

غير أن ما تحقق خلال عام واحد يفتح الباب أمام إمكانية بناء دولة جديدة أكثر استقراراً وتوازناً، إذا ما أحسن استثمار التحولات الحالية في السنوات المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى