أعلام ومعالم

“لا تقف مكتوف الأيدي”.. أصوات يهودية تستعيد الضمير الأخلاقي في مواجهة الصهيونية

يرسم كتاب “لا تقف مكتوف الأيدي: يهود ذوو ضمير حي تجاه فلسطين” للكاتبة سوزان لانداو ملامح مفترق أخلاقي حاد تواجهه اليهودية واليهود إزاء ما يجري في غزة، جامعاً شهادات تمتد لأكثر من قرن من أصوات يهودية معارضة للصهيونية. ويأتي صدور هذا العمل في لحظة يرى فيها مؤيدوه أن الحاجة إلى وضوح أخلاقي أصبحت أكثر إلحاحاً في ظل الحرب الدائرة في غزة وما تثيره من جدل عالمي.

يقدم الكتاب مختارات من مواقف وآراء يهودية مناهضة للصهيونية، مسلطاً الضوء على تأثير قيام دولة إسرائيل في الشعب الفلسطيني، ومؤسساً لجسر معرفي يربط بين التاريخ والسياسة واللاهوت ودراسات الصراع. وهو يتتبع إرثاً أخلاقياً وفكرياً للمقاومة من داخل المجتمع اليهودي العالمي، متجذراً – بحسب لانداو – في قيم العدالة والمساواة والرحمة.

من أحد هعام إلى مفكري القرن الحادي والعشرين

يستعرض الكتاب طيفاً واسعاً من الشخصيات، بدءاً من مفكرين مبكرين مثل “أحد هعام” (آشر غنسبرغ)، مروراً بحنة أرنت، ومارتن بوبر، ويهودا ماغنيس، وألبرت أينشتاين، وصولاً إلى باحثين وناشطين معاصرين. وتتقاطع هذه الأصوات – على اختلاف خلفياتها – في تحدي الروايات التي تخلط بين اليهودية كدين وثقافة، والصهيونية كأيديولوجيا سياسية.

ومن خلال اقتباسات ومقالات وتأملات منتقاة، يوثق الكتاب كيف عبّر يهود، عبر أجيال متعاقبة، عن اعتراضاتهم الأخلاقية على مسارات العسكرة والاستعمار الاستيطاني، وغالباً ما دفعوا أثماناً شخصية ومهنية جراء مواقفهم.

هيكل الكتاب ومضامينه

ينقسم العمل إلى ثلاثة أجزاء رئيسية:

  • الجزء الأول، “استعادة أصوات الضمير اليهودية”، يعرض تحذيرات مفكرين وعلماء وناشطين يهود منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى العقود اللاحقة لتأسيس إسرائيل عام 1948، مسلطاً الضوء على مخاوفهم المبكرة من تداعيات المشروع الصهيوني على الفلسطينيين وعلى القيم اليهودية ذاتها.
  • الجزء الثاني، “تعاظم الأصوات المطالبة بالعدالة”، يوثق تطور النقد اليهودي للصهيونية في سياق الحروب المتعاقبة على غزة وتصاعد حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)، مؤكداً – بحسب الطرح الوارد – أن تحذيرات الماضي وجدت صداها في واقع الاحتلال والانتهاكات.
  • أما الجزء الثالث، فيتناول مرحلة ما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ويرصد مواقف يهودية سعت إلى الفصل بين اليهودية والصهيونية، ورفض الخلط بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، مع تحليل تداعيات الأحداث الأخيرة في ضوء السياق التاريخي السابق.

المرجعية الأخلاقية والعنوان الدلالي

يستند عنوان الكتاب إلى العبارة التوراتية “لا تقف مكتوف الأيدي” (سفر اللاويين 19:16)، التي تُقدَّم بوصفها تعبيراً عن واجب أخلاقي يحث على عدم التزام الصمت إزاء الظلم. وترى لانداو أن هذا المبدأ يجسد تقليداً يهودياً طويلاً في مقاومة الاضطهاد، حتى حين يُرتكب باسم اليهود أنفسهم.

ويضم الكتاب أكثر من 120 صوتاً يهودياً، بعضهم عرّف نفسه في مراحل معينة بأنه صهيوني ثقافي أو سياسي، وبعضهم خدم في مؤسسات إسرائيلية، ما يعكس – بحسب المؤلفة – تنوعاً في الخلفيات والرؤى.

نقاشات مفتوحة وحدود الطرح

يشير العمل إلى منظمات وحركات يهودية تاريخية كان لها حضور في الجدل حول الصهيونية، وإن لم يحظ بعضها بتناول معمق، كما يقر بأن الكتاب لا يغطي جميع ردود الفعل اليهودية على محطات تاريخية كبرى قبل عام 2005.

ويركز على إثارة أسئلة تتعلق بالقومية والهوية والعدالة والحدود، مع دعوة القارئ إلى مراجعة الفرضيات المسبقة والانخراط في نقاش نقدي مفتوح، بعيداً عن الاستقطاب الحاد.

بين المأساة والاختيار الأخلاقي

يفتتح الكتاب باقتباس من الحاخام هليل حول المسؤولية الفردية والجماعية، ليؤسس لإطار تأملي لا يدّعي تقديم إجابات سهلة، بل يدعو إلى مساءلة الذات في لحظة سياسية معقدة.

وفي استحضار لمقولات مفكرين مثل أحد هعام وهنري شوارتزشيلد، يعرض العمل رؤى اعتبرت أن قيام دولة قومية يهودية على أسس عرقية أو دينية يطرح إشكاليات أخلاقية عميقة، ليس للفلسطينيين وحدهم، بل لليهودية نفسها.

وفي المحصلة، يقدم “لا تقف مكتوف الأيدي” سردية توثق تقليداً يهودياً مستمراً في نقد الصهيونية، ويدعو إلى استعادة ما يسميه “الضمير الأخلاقي” في مقاربة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، واضعاً القارئ أمام أسئلة مفتوحة حول العدالة والهوية والمسؤولية في زمن الانقسام الحاد.

زر الذهاب إلى الأعلى