الاقتصاد

موجة تسريحات واسعة تجتاح الشركات الأميركية مع تحول سوق العمل بفعل الذكاء الاصطناعي

كشفت وكالة بلومبيرغ عن موجة واسعة من التسريحات تجتاح الشركات الكبرى في الولايات المتحدة، بدءًا من قطاعات التجزئة وصولًا إلى التكنولوجيا والطيران. وأفادت الوكالة بأن عدد الوظائف الملغاة تجاوز 950 ألف وظيفة حتى نهاية سبتمبر/أيلول، وهو الأعلى منذ عام 2020، ما يعكس تحولًا في سياسات التوظيف بعد سنوات من الاحتفاظ بالعمالة لتجنب نقص القوى العاملة أثناء الجائحة.

وجاءت هذه التسريحات في وقت تتزايد فيه الاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وسعي الشركات لخفض التكاليف التشغيلية لحماية الأرباح، في ظل مخاوف من تباطؤ اقتصادي محتمل في الولايات المتحدة.

بداية دورة التسريح

وأوضحت بلومبيرغ أن ما يُعرف بـ”تكديس العمالة” – أي احتفاظ الشركات بالموظفين تحسبًا لأي نقص مستقبلي – بدأ يتراجع بشكل كبير، حيث تتجه الشركات لخفض النفقات عبر تقليص العمالة بدل رفع الأسعار للحفاظ على هوامش الربح.

وقال دان نورث، كبير الاقتصاديين في شركة أليانز تريد أميركاز، إن “عددًا كبيرًا من الشركات الكبرى بدأ بخفض واسع في أعداد العاملين”، محذرًا من أن هذه الموجة “ليست عشوائية بل تعكس تحولًا هيكليًا في السوق”.

وأشار التقرير إلى أبرز حالات التسريح:

  • ستاربكس: فصلت 900 موظف في سبتمبر/أيلول بعد حملة مماثلة في فبراير/شباط.
  • تارغت: ألغت 1800 وظيفة في أكتوبر/تشرين الأول لتعزيز الأداء التشغيلي.
  • أمازون: خفّضت 14 ألف وظيفة في إداراتها المتأثرة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
  • باراماونت: استغنت عن ألف عامل بعد اندماجها مع “سكاي دانس”.
  • مولسون كورز: سرّحت 400 موظف بسبب تراجع مبيعات الجعة منخفضة الكربوهيدرات.

أرقام تنذر بمرحلة انكماش

واستندت بلومبيرغ إلى بيانات مؤسسة تشالنجر، غراي آند كريسمس، التي أظهرت أن عدد التسريحات المعلنة في أميركا حتى سبتمبر/أيلول بلغ 950 ألف وظيفة، وهو الأعلى منذ ذروة جائحة كورونا.

وأضاف التقرير أن القطاع الحكومي تصدّر الموجة بنحو 300 ألف وظيفة ملغاة، فيما طالت التخفيضات قطاعات التكنولوجيا والتجزئة والطيران.

وقالت فيرونيكا كلارك، الخبيرة الاقتصادية في سيتي غروب، إن السوق الأميركي “خرج من مرحلة الاقتصاد منخفض التوظيف والتسريح، ودخل مرحلة جديدة عنوانها: نحن في طور التسريح”.

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق العمل

وأوضحت بلومبيرغ أن التطور السريع في الذكاء الاصطناعي والأتمتة الصناعية غيّر قواعد اللعبة، إذ لم تعد الشركات تخشى فقدان المهارات البشرية كما في السابق.

وأظهر استطلاع لمنصة “لينكد إن” أن 60% من المديرين التنفيذيين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيتولى مهامًا يؤديها الموظفون المبتدئون اليوم.

وقال نورث إن “المديرين فقدوا خوفهم من التسريح، وأصبحوا أكثر اقتناعًا بأن الآلات يمكن أن تسدّ النقص البشري”.

مؤشرات مقلقة رغم تطمينات الفيدرالي

ورغم هذا التدهور، قلّل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول من المخاوف، مؤكّدًا أن “تباطؤ سوق العمل ما زال تدريجيًا جدًا ولا يشير إلى ركود”.

لكن محللين نقلت عنهم بلومبيرغ حذروا من أن المؤشرات الحالية “تشبه بدايات التراجع الاقتصادي في عام 2008”. وقالت فيرونيكا كلارك إنها ستشعر بالقلق إذا تجاوزت طلبات إعانات البطالة الأسبوعية 260 ألفًا، فيما اعتبر كوري ستاهل، كبير الاقتصاديين في منصة إنديد، أن “الخطر سيبدأ عندما تمتد التسريحات إلى قطاعي النقل والتجزئة”.

عمال مؤقتون بدل وظائف مستقرة

وأشارت بلومبيرغ إلى أن الشركات باتت تعتمد أكثر على العمالة المؤقتة لتجنب الالتزامات طويلة الأمد، وقال نواه يوسف، كبير الاقتصاديين في جمعية التوظيف الأميركية، إن “الطلب على العمالة المؤقتة ارتفع بعد ركود دام ثلاث سنوات”، مضيفًا أن هذه الظاهرة “تعكس حذر الشركات من المستقبل أكثر من كونها انتعاشًا حقيقيًا”.

وأوردت بلومبيرغ شهادة العامل الأميركي جون ستيغلر (65 عامًا) من شيكاغو، الذي فُصل بعد عقدين من العمل في مجال الأنظمة السمعية والبصرية، حيث قال: “أخبرني المدير بعد يوم عمل طويل أنه لم يعد هناك عمل. أنا محظوظ لأنني قريب من التقاعد، لكن زملائي في الثلاثينيات لا يعرفون ماذا سيفعلون غدًا”.

زر الذهاب إلى الأعلى