زيارة بوتين إلى الهند: رسائل جيوسياسية وتعاون إستراتيجي متجدد بين موسكو ونيودلهي

يصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى العاصمة الهندية نيودلهي غداً الخميس للمشاركة في القمة الهندية الروسية السنوية الـ23، في أول زيارة له منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وفي واحدة من رحلاته النادرة خارج روسيا. وتكتسب هذه الزيارة ثقلاً جيوسياسياً بارزاً، إذ تسعى موسكو من خلالها إلى تعزيز علاقاتها مع الهند وتأكيد أنها ما تزال تحظى بشركاء دوليين فاعلين رغم الضغوط الغربية.
تاريخياً، حافظت موسكو ونيودلهي على واحدة من أقوى العلاقات الإستراتيجية منذ الحقبة السوفياتية، حيث أسهمت روسيا في دعم الصعود العسكري والتكنولوجي للهند في مجالات الدفاع والفضاء والطاقة النووية. وتأتي الزيارة الحالية في وقت أصبحت فيه الهند سوقاً مركزية للنفط والسلاح الروسيين بعد إغلاق الأسواق الغربية أمام موسكو.
ورغم سعي الهند إلى تنويع اقتصادها، فإن تقنيات الدفاع والطاقة الروسية ما تزال مكوناً أساسياً في بنيتها العسكرية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على المعدات الروسية من الطائرات والدبابات والصواريخ والغواصات. ومن المتوقع أن يبحث الجانبان منصات دفاعية متقدمة، تشمل مقاتلات الشبح سوخوي سو-57 ومنظومات الدفاع الجوي إس-400، التي لعبت دوراً مهماً مؤخراً في حماية الحدود الهندية.
وتؤكد موسكو رضاها عن موقف الهند المتوازن تجاه الحرب في أوكرانيا، حيث تشيد بموقفها الحيادي ورفضها الانخراط في الضغوط الغربية. كما شدد الكرملين على أن روسيا تعتبر الهند شريكاً محورياً ولن تسمح لأي طرف خارجي بالتأثير على علاقة البلدين الاقتصادية.
على الصعيد الاقتصادي، يمثل التعاون الدفاعي محوراً رئيسياً في مباحثات الزيارة، إلى جانب ملفات التجارة والطاقة والعلوم والتكنولوجيا. ويواجه الاقتصاد الهندي ضغوطاً غربية متصاعدة، خصوصاً من الولايات المتحدة التي تفرض رسوماً وعقوبات تهدف إلى تقليص واردات الهند من النفط الروسي، والتي قفزت من أقل من 1% قبل الحرب إلى نحو 40% في ذروتها.
ويرى خبراء روس أن زيارة بوتين قد تفتح آفاقاً جديدة لتنويع العلاقات التجارية، وتعويض انخفاض مشتريات النفط بولادة مشاريع جديدة، من بينها تسهيل دخول المنتجات الهندية إلى السوق الروسية وتوقيع اتفاقيات تخص العمالة الهندية الماهرة في القطاعات الروسية التي تعاني نقصاً، خصوصاً تكنولوجيا المعلومات.
كما تُعد مشاريع الطاقة النووية المدنية أحد أهم مسارات التعاون بين البلدين، حيث تعمل الشركات الروسية على بناء أكبر منشأة للطاقة النووية في الهند، مع بحث توسيع التعاون ليشمل المفاعلات الصغيرة.
وعلى الرغم من تراجع واردات الهند من السلاح الروسي بسبب الحرب الأوكرانية واحتياجات موسكو الداخلية، فإن الهند تسعى خلال هذه الزيارة لتأكيد رغبتها في الاستمرار بالحصول على منصات دفاعية متقدمة، على رأسها مقاتلة الجيل الخامس سو-57 وأنظمة الدفاع الصاروخي المتطورة.
ويرى محللون أن نجاح هذه الصفقات سيعكس ثقة متجددة من الهند في روسيا كشريك دفاعي موثوق، رغم المسار الحذر الذي تنتهجه نيودلهي لتجنب الاصطدام مع واشنطن، التي تسعى بدورها إلى إعادة تشكيل منظومة علاقاتها الاقتصادية مع الهند.
وفي الوقت ذاته، تؤكد التقديرات الروسية أن البنية الأمنية لأوراسيا لا يمكن بناؤها دون توافق ثلاثي بين روسيا والهند والصين، مما يعزز من أهمية العلاقة بين موسكو ونيودلهي، ويجعل الهند ثابتة في موقفها الحيادي تجاه الأزمة الأوكرانية رغم الضغوط الغربية المتواصلة.









