مزارعو فرنسا يطوّقون البرلمان بجراراتهم رفضا لاتفاقية «ميركوسور»

تحوّل محيط البرلمان الفرنسي في باريس إلى ساحة احتجاج ذات دلالة سياسية عميقة، بعدما اصطف مئات المزارعين بجراراتهم الثقيلة أمام مقر الجمعية الوطنية، في مشهد نادر داخل قلب القرار السياسي الفرنسي.
ولم يكن الاعتصام صاخبا بأبواق الجرارات فقط، بل بثقله الرمزي أيضا، إذ اختار المحتجون التوجه مباشرة إلى حيث تُصاغ القوانين وتُبرم الاتفاقيات الاقتصادية التي يرون أنها تهدد مستقبل مهنتهم، لا سيما مع اقتراب توقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل «ميركوسور» في أميركا الجنوبية.
وجاء هذا التحرك في لحظة حرجة يمر بها القطاع الزراعي الفرنسي، في ظل تراجع المداخيل، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وضغوط متزايدة مرتبطة بالسياسات البيئية الأوروبية والانفتاح التجاري.
رمزية المكان ووحدة الرسائل
لم تكن احتجاجات الثلاثاء تعبيرا عفويا عن غضب متراكم فحسب، بل خطوة محسوبة لرفع مستوى الضغط على الحكومة وتوجيه رسالة مباشرة إلى النواب وصنّاع القرار، بعيدا عن البيانات الرسمية والوساطات التقليدية.
ورغم الهدوء النسبي الذي طبع العلاقة مع قوات الأمن، فإن المشهد كان بالغ الدلالة سياسيا، إذ إن وجود نحو 500 جرار في منطقة شديدة الحساسية أمنيا يعكس حجم الاحتقان داخل القطاع الزراعي، ويشير إلى استعداد المزارعين لمواصلة التصعيد إذا لم تُترجم الوعود الحكومية إلى إجراءات ملموسة.
وقال المزارع لويس مارشان، القادم من شمال فرنسا، إنهم غادروا مساء الاثنين ووصلوا فجرا إلى محيط البرلمان، مضيفا في حديثه للجزيرة نت: «ما زلنا نطالب بالأمور نفسها التي سئمنا من تكرارها، من اتفاقية ميركوسور إلى ضريبة الأسمدة، دون أي إجابات واضحة. وعود الحكومة كاذبة ولم نعد نتوقع شيئا».
مطالب اقتصادية واضحة
وحمل المزارعون جملة من المطالب الاقتصادية الدقيقة، في مقدمتها وقف أي مسار يؤدي إلى المصادقة على اتفاقيات تجارية تسمح بدخول منتجات زراعية لا تلتزم بالمعايير الصحية والبيئية المفروضة داخل فرنسا.
وقالت ماري فرانسواز ليبرز، المزارعة من منطقة السوم والأمينة العامة للاتحاد الفرنسي لنقابات المزارعين، إن القطاع يعاني منذ سنوات من بيروقراطية خانقة وعمليات تفتيش مفرطة، مضيفة: «لم نعد قادرين على تطوير مشاريعنا، الإجراءات طويلة ومعقدة، وغالبا ما تُرفض الطلبات، بينما دخلنا يتراجع باستمرار».
وأشارت ليبرز إلى أن نقص البيض في فرنسا مثال صارخ على هذه الأزمة، إذ لا يستطيع المزارعون بناء حظائر جديدة بسبب كثرة اللوائح والإجراءات الورقية التي تعيق مشاريعهم.
اتفاقية «ميركوسور» في قلب الأزمة
وفي قلب الاحتجاجات، رفعت لافتات ترفض اتفاقية «ميركوسور»، محذّرة من منافسة غير متكافئة مع منتجات زراعية مستوردة تُنتج وفق معايير أقل صرامة من تلك المفروضة على المزارعين الفرنسيين.
وأكد المزارع داميان راديه من منطقة فال دواز أن القواعد الصحية والبيئية، وإن كانت مبررة نظريا، تُستخدم عمليا ضد المزارعين المحليين حين لا تُفرض على الواردات بالصرامة نفسها.
وأضاف أن المشكلة لا تقتصر على المنتجات النباتية، بل تشمل أيضا استيراد ماشية تُعالج بالمضادات الحيوية والهرمونات المحظورة في أوروبا منذ عقود، ما يضع المزارع الفرنسي في موقع الخاسر.
وعود حكومية غير كافية
وبعد ساعات من الاجتماعات بين ممثلي النقابات والحكومة داخل البرلمان، خرج قادة النقابات لطمأنة المحتجين بانتظار الرد الرسمي.
وأعلن رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن نية الحكومة تقديم «قانون زراعي طارئ»، مؤكدا دفاع فرنسا عن مصالح مزارعيها، مع الإقرار بأن التحرك لا يمكن أن يتم خارج الإطار الأوروبي.
غير أن هذه الوعود لم تُقنع النقابات، إذ اعتبر صامويل فاندال، رئيس نقابة عمال «إيل دو فرانس»، أن الإعلان «غير كاف»، مؤكدا أن المزارعين ينتظرون تغييرات حقيقية تتعلق بإعادة هيكلة الديون، وتحسين التدفقات النقدية، وتبسيط شروط القروض.
ومع حلول فجر الأربعاء، بدأ المزارعون مغادرة باريس على وقع أبواق جراراتهم، في رسالة إنذار واضحة بإمكانية العودة قريبا، فيما أعلنت النقابات عزمها التظاهر في ستراسبورغ يوم 20 يناير/كانون الثاني الجاري، بالتزامن مع منظمات زراعية أوروبية أخرى، في حال المضي قدما في توقيع اتفاقية «ميركوسور».









