اندفاع غربي نحو بكين في ظل تحولات النظام الاقتصادي العالمي

تستقبل بكين موجة متصاعدة من القادة الغربيين الساعين إلى إعادة ترميم علاقاتهم مع الصين، في وقت أعادت فيه السياسات التجارية للرئيس الأميركي دونالد ترامب تشكيل موازين الاقتصاد العالمي، وأثارت قلقًا متزايدًا لدى حلفاء واشنطن من خطر التهميش.
ووفق تقرير لوكالة بلومبيرغ، تعكس هذه التحركات الدبلوماسية إدراكًا متناميًا لدى الدول الغربية بضرورة إعادة التموضع في نظام اقتصادي دولي آخذ في التحول، مع تصاعد دور الصين كلاعب محوري.
اندفاع دبلوماسي بعد هدنة الرسوم
في هذا السياق، زار رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، أمس الجمعة، العاصمة الصينية، حيث أكد خلال لقائه الرئيس شي جين بينغ أن كندا والصين بصدد صياغة شراكة إستراتيجية جديدة قادرة على تحقيق مكاسب وصفها بـ”التاريخية”، اعتمادًا على تكامل نقاط القوة لدى الطرفين، بحسب ما نقلته وكالتا رويترز والفرنسية.
وأشار كارني، وهو أول رئيس وزراء كندي يزور الصين منذ ثماني سنوات، إلى أن تحسين العلاقات الثنائية سيسهم في تعزيز نظام الحوكمة العالمية الذي يواجه، بحسب تعبيره، ضغوطًا غير مسبوقة.
من جانبه، أبدى شي جين بينغ استعداده لمواصلة العمل على تطوير العلاقات، موضحًا أن المحادثات بشأن استئناف التعاون بدأت منذ اللقاء الأول الذي جمع الزعيمين في أكتوبر/تشرين الأول الماضي على هامش مؤتمر اقتصادي في كوريا الجنوبية.
وأنهت زيارة كارني، وفق بلومبيرغ، فجوة دبلوماسية دامت قرابة عقد بين أوتاوا وبكين، في وقت تسعى فيه الصين إلى إقناع الحكومة الكندية بتخفيف الرسوم الجمركية البالغة 100% على السيارات الكهربائية الصينية، مقابل تخفيف القيود المفروضة على صادرات الكانولا الكندية.
وقبل ذلك، استقبل الرئيس الصيني هذا الشهر رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، في أول زيارة لرئيس كوري جنوبي إلى الصين منذ عام 2019، في خطوة اعتُبرت مؤشرًا على تحسن العلاقات الثنائية.
كما يُتوقع أن يزور رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بكين خلال أيام، في أول زيارة من نوعها منذ عام 2018، بهدف دعم قطاع الأعمال البريطاني، بينما يُرجح وصول المستشار الألماني فريدريش ميرتس في فبراير/شباط المقبل.
وتأتي هذه الزيارات في أعقاب التوصل إلى هدنة جمركية بين ترامب وشي جين بينغ، خففت من حدة التوتر بين أكبر اقتصادين في العالم، وسط توقعات بعقد عدة لقاءات بين الزعيمين خلال العام.
“فومو دبلوماسي” في الغرب
ونقلت بلومبيرغ عن نيل توماس، الباحث في معهد سياسات جمعية آسيا، قوله إن “ترامب أطلق حالة فومو دبلوماسية في العالم الغربي”، في إشارة إلى الخوف من تفويت الفرص، مضيفًا أن أسلوب الرئيس الأميركي يدفع القادة الغربيين إلى السعي للتواصل مع شي جين بينغ حتى لا يُستبعدوا من إعادة تشكيل العلاقات بين واشنطن وبكين.
وتشير الوكالة إلى أن إدارة ترامب اقتربت مؤخرًا من السماح لشركة إنفيديا ببيع رقائق أكثر تطورًا إلى الصين، مع الإبقاء على القيود المفروضة على المنتجات الأعلى حساسية، في تراجع جزئي عن نهج إدارة جو بايدن.
المعادن النادرة في صلب الحسابات
عامل آخر يعزز اندفاع القادة نحو بكين يتمثل في المعادن النادرة، التي تهيمن الصين على سلاسل توريدها عالميًا. وبموجب اتفاق تجاري وُقّع في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وافقت بكين على تعليق تشديد قيود تصدير بعض هذه المعادن لمدة عام.
وتلفت بلومبيرغ إلى أن قادة الاقتصادات الغربية يسعون لضمان استمرار الوصول إلى هذه الموارد الحيوية، في وقت ناقش فيه وزراء مالية مجموعة السبع في واشنطن مواطن الضعف في سلاسل توريد المعادن الإستراتيجية.
ورغم التحذيرات الأوروبية من فائض الصادرات الصينية، تتجه الحكومات الغربية نحو مقاربة أكثر براغماتية، إذ يدرس الاتحاد الأوروبي استبدال الرسوم المفروضة على السيارات الكهربائية الصينية بأسعار دنيا، في خطوة قد تنهي نزاعًا تجاريًا تبادل فيه الطرفان إجراءات مضادة.
دبلوماسية الأرض الصينية
ومع تقليص الرئيس شي جين بينغ لسفره إلى الخارج، باتت بكين تعتمد نهج “دبلوماسية الأرض الصينية”، القائم على استقطاب القادة الأجانب إلى العاصمة الصينية لترسيخ النفوذ من خلال اللقاء على الأرض.
ويرى ألكسندر دوكالسكس، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة دبلن، أن العديد من القادة باتوا مقتنعين بضرورة الحفاظ على علاقات مستقرة مع الصين، في ظل سياسة أميركية تتسم بالتقلب.
وبالنسبة لبكين، التي تبحث بدورها عن محركات جديدة للنمو، تمثل هذه التحركات فرصة لتعزيز موقعها في نظام عالمي يُعاد تشكيله، بينما تعيد الدول الغربية حساباتها تباعًا.









