الاقتصاد

الجزيرة السورية تعود إلى قلب الاقتصاد: ثروات الشرق ورهان التعافي الوطني

تدخل سوريا مرحلة اقتصادية جديدة مع استعادة الحكومة سيطرتها على معظم مناطق الشرق، ولا سيما محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، وهي مناطق تمثل ثقلا استراتيجيا بما تختزنه من موارد زراعية وباطنية تشكل ركائز أساسية للاقتصاد الوطني.

ويترقب الشارع السوري تطبيق اتفاق 18 يناير/كانون الثاني بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، والذي ينص على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة، وتسلم دمشق إدارة المنشآت الحكومية والمعابر الحدودية والسجون وحقول النفط والغاز، في خطوة من شأنها إعادة رسم المشهد الاقتصادي في البلاد. كما جرى تمديد اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين لمدة 15 يوما، بما يهيئ بيئة أكثر استقرارا لتنفيذ التفاهمات.

تقع منطقة الجزيرة في أقصى شمال شرقي سوريا بين نهري دجلة والفرات، وعلى تماس مباشر مع الحدود العراقية والتركية، وتضم محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، مشكلة نحو 41% من مساحة البلاد. وتعد هذه المنطقة من أغنى المناطق السورية بالموارد الطبيعية، إذ توصف بأنها سلة الغذاء وخزان المياه والطاقة.

وتحتوي الجزيرة على نحو 64% من الموارد المائية في سوريا، وتنتج أكثر من نصف محصول القمح الوطني بما يزيد على مليوني طن سنويا، يتركز نحو 45% منه في محافظتي الحسكة والرقة. كما تسهم المنطقة بنحو 62% من إنتاج القطن، الذي يعد ركيزة أساسية لصناعة النسيج، وتتصدر الحسكة هذا الإنتاج بنسبة تقارب 38%.

وبحسب بيانات وزارة الزراعة الأميركية للموسم الزراعي 2024-2025، توزع إنتاج القمح السوري بواقع 23% في الرقة، و22% في الحسكة، و10% في دير الزور. ولا تقل الثروة الحيوانية أهمية، إذ تمثل أكثر من 37% من الإنتاج الزراعي، بقيمة تقدر بنحو 3 مليارات و170 مليون دولار، وكانت الحسكة قبل الأزمة تضم أكبر قطيع أغنام في البلاد بأكثر من 3 ملايين رأس.

اقتصاديا، يرى المستشار الأول في وزارة الاقتصاد والصناعة الدكتور أسامة القاضي أن استعادة السيطرة على محافظات الجزيرة تمثل دفعة مباشرة لإعادة تنشيط الاقتصاد الوطني، موضحا أن نحو ثلث الناتج القومي السوري قبل عام 2011 كان يعتمد على النفط والغاز المتركزة حقولهما في هذه المنطقة.

ويؤكد القاضي أن عودة الحسكة تتيح للدولة تأمين موارد مهمة للخزينة العامة، وتحسين مستوى المعيشة، وتعزيز القدرة على إدارة المالية العامة، فضلا عن ضبط المعابر غير النظامية والحد من تهريب البضائع، وتنظيم تسويق محاصيل القمح والقطن وضمان وصول عائداتها إلى القنوات الرسمية. كما تفتح هذه التطورات المجال أمام فرص عمل واسعة في قطاعات النفط والزراعة والتصنيع الزراعي، ودعم الكهرباء والصناعة، بما يعزز جاذبية المنطقة للاستثمار ويجعلها قاطرة محتملة للتنمية.

من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي عبد السلام العمر أن استعادة الدولة السيطرة على الجزيرة تمثل تحولا بنيويا في معادلة الأمن الغذائي والميزان التجاري، نظرا لمساهمة هذه المحافظات بأكثر من نصف إنتاج القمح الوطني، ما يمنح الدولة هامشا لإعادة هيكلة سياسة القمح والانتقال من الاعتماد على الاستيراد إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي الجزئي.

في المقابل، يشير المحلل الاقتصادي يونس الكريم إلى أن زراعة القمح في المناطق الشرقية تواجه تحديات أبرزها الحاجة إلى استقرار أمني وتأثيرات الجفاف، مؤكدا أن معالجتها تتطلب دعما إقليميا حقيقيا، ولا سيما في ما يتعلق بتأمين المياه وإعادة تشغيل معامل الأسمدة، بما يسهم في خفض تكاليف الإنتاج ودعم القطاع الزراعي.

أما في قطاع الطاقة، فتشير تقديرات رسمية وتقارير دولية إلى أن سوريا تمتلك احتياطيا نفطيا يقدر بنحو 2.5 مليار برميل، مع وجود تقديرات غير مؤكدة ترفع الرقم إلى قرابة 7 مليارات برميل، وتتركز الحقول الأكثر إنتاجا تاريخيا في دير الزور والحسكة. وقبل الحرب، كانت حقول شرق الفرات تمثل ما بين 70% و80% من القدرة الإنتاجية النفطية السورية، وتشمل حقولا بارزة مثل العمر والتنك والجفرة والسويدية والرميلان.

وفي قطاع الغاز، تقدر الاحتياطيات المؤكدة بنحو 285 مليار متر مكعب، ويستخرج جزء مهم من الغاز المصاحب للنفط من حقول الشرق، ما يمنح المنطقة أهمية مضاعفة في ملف الطاقة. ويؤكد خبراء أن التطورات الأخيرة تفتح المجال أمام استعادة الإنتاج النفطي والغازي تدريجيا لتلبية احتياجات السوق المحلية أولا، ثم التوجه نحو التصدير لاحقا.

وتضم الحسكة حقولا نفطية رئيسية، من بينها حقل السويدية الذي كان ينتج أكثر من 100 ألف برميل يوميا قبل 2011، وحقل رميلان، إلى جانب حقل الجبسة الذي يضم أحد أكبر معامل إنتاج الغاز في البلاد، فضلا عن عشرات الحقول والآبار المنتشرة في عموم المحافظة.

ويتفق خبراء الاقتصاد والطاقة على أن تعافي الاقتصاد السوري وإعادة الإعمار سيظلان مرتبطين باستقرار وإدارة موارد الشرق، مشددين على أن السيطرة الجغرافية وحدها لا تكفي، بل لا بد من إدارة مؤسسية واستثمار قانوني فعال يضمن حسن توظيف هذه الثروات. ويرى مختصون أن توجيه الإنتاج نحو تلبية الطلب المحلي أولا، وتقليل الاستيراد، ثم الانتقال التدريجي إلى التصدير، يشكل المسار الأكثر جدوى لتعزيز الميزان التجاري وخفض الضغط على العملة، ووضع الاقتصاد السوري على طريق التعافي المستدام.

زر الذهاب إلى الأعلى