النصائح الطبية على مواقع التواصل.. وهم الاطمئنان وخطر التأخير

في غضون دقائق من تصفح منصات التواصل الاجتماعي، تتكشف ظاهرة آخذة في الاتساع: أشخاص يقدّمون أنفسهم خبراء في الصحة والتغذية، يشخّصون الأمراض بسرعة، ويعدون بعلاج حالات معقدة مثل السرطان والسكري وأمراض المناعة الذاتية عبر أنظمة غذائية أو مكملات “سحرية”، بلغة واثقة لا تحتمل الشك.
هذه الخطابات لا تُقدَّم بتحفّظ علمي، بل بيقين جازم يجذب المرضى، خصوصًا أولئك الباحثين عن أمل سريع في فضاء رقمي يكافئ الجرأة والمبالغة أكثر مما يكافئ الدقة والمسؤولية.
تبسيط مخلّ وادعاءات بلا سند
كثير من “أطباء السوشيال ميديا” يختزلون أمراضًا مزمنة ومعقدة في نصائح عامة، مثل الامتناع عن أطعمة بعينها أو اتباع حمية محددة بزعم قدرتها على “عكس مسار المرض”. آخرون يغلّفون خطابهم بمصطلحات علمية معقدة توحي بالمعرفة، بينما يخلطون بين المفاهيم ويبتعدون عن الفهم الطبي الرصين.
القاسم المشترك بين هذه المقاطع ليس الدليل العلمي، بل اليقين المطلق، وهو ما يمنحها تأثيرًا مضاعفًا حين يُختزل الطب في محتوى سريع الاستهلاك.
إحساس زائف بالأمان
تكمن الخطورة الحقيقية في خلق شعور كاذب بالاطمئنان، خاصة لدى من يعانون أمراضًا صامتة أو في مراحلها الأولى. فالمريض قد يُقنع نفسه بأن الأعراض بسيطة أو مؤقتة ويمكن السيطرة عليها بتجربة شخصية أو نصيحة عامة، بينما يستمر المرض في التقدم بعيدًا عن أي تشخيص علمي أو متابعة طبية.
في الواقع الطبي، العرض الواحد قد يكون مؤشرًا لعشرات الاحتمالات المختلفة، ما يجعل التشخيص عملية منهجية تتطلب فحوصات وتحليلًا ومراجعة مستمرة، لا بحثًا ذاتيًا أو طمأنة جماعية في قسم التعليقات.
الأمراض الصامتة.. خطر الوقت الضائع
تتجلى خطورة التأخير خصوصًا في الأمراض التي تتطور دون أعراض واضحة، مثل السرطان، والكبد الدهني، واضطرابات التمثيل الغذائي والغدد الصماء. في هذه الحالات، لا يكون الخطر في الألم اللحظي، بل في ضياع الوقت، إذ قد ينتقل المرض من مرحلة قابلة للعلاج إلى أخرى أكثر تعقيدًا.
في علم الأورام، على سبيل المثال، يُعد الوقت عاملًا حاسمًا؛ ففرص الشفاء قد تتغير خلال أسابيع أو أشهر. أما الكبد الدهني، فقد يتدرج بصمت من تراكم بسيط إلى التهاب ثم تليف أو فشل كبدي، وهي مراحل لا تعالجها وصفات عامة أو “ديتوكس” عابر.
مخاطر إيقاف العلاج واستبداله بمكملات
تزداد الخطورة حين يُشجَّع المرضى على إيقاف علاجات موصوفة واستبدالها بمكملات أو خلطات عشبية غير خاضعة لرقابة علمية. هذه المنتجات قد تحمل مخاطر سمية أو تداخلات دوائية غير معروفة، وقد سُجلت بالفعل حالات تسمم كبدي وفشل كلوي نتيجة هذا النوع من “العلاج الذاتي”.
أما الاضطرابات الهرمونية وأمراض الأيض، فهي تتطلب توازنًا دقيقًا لا يحتمل العبث دون تحاليل ومتابعة، إذ قد تختفي الأعراض مؤقتًا بينما تتفاقم المشكلة بيولوجيًا.
الفرق بين الطب والمحتوى
الطب قائم على التشخيص المتدرج، وتحمل المسؤولية، والمتابعة المستمرة. الطبيب يُحاسَب على قراراته، ويعدّل خطته عند الحاجة، ويتابع النتائج. أما صانع المحتوى، فيقدّم نصيحته ثم يختفي، دون التزام أو مساءلة، تاركًا المريض وحده أمام عواقب قرار لم يكن يملك أدوات تقييمه.
في النهاية، الصحة ليست مادة استهلاكية، والمرض ليس تجربة قابلة للتعميم، والعلاج ليس رأيًا شخصيًا. أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان هو تأجيل التشخيص باسم الاطمئنان، أو استبدال المتابعة الطبية بوهم السيطرة الذاتية.
في الطب، ليست كل الأخطاء قابلة للإصلاح، ولا كل التأخيرات يمكن تداركها. والثقة العمياء في نصائح غير موثقة، خصوصًا في الأمراض الصامتة، ليست مجرد خطأ عابر، بل مخاطرة قد لا تمنح فرصة ثانية.







