أنباء دولية

تخصيب اليورانيوم.. بين دورة الوقود النووي ومخاوف الانتشار العسكري

يُقصد بتخصيب اليورانيوم زيادة نسبة نظير اليورانيوم-235 (U-235) في اليورانيوم الطبيعي، بهدف جعله قابلاً لإحداث انشطار نووي يولّد طاقة هائلة تُستخدم في تشغيل المفاعلات أو — عند نسب مرتفعة جداً — في تصنيع الأسلحة النووية.

يوجد في الطبيعة ثلاثة نظائر لليورانيوم، لكن U-235 هو الوحيد القابل للانشطار بسهولة عند تعرضه لنيوترون بطيء. غير أن نسبته في الخام الطبيعي لا تتجاوز 0.7%، ما يستدعي رفع تركيزه عبر عملية التخصيب.

وتختلف الاستخدامات بحسب مستوى التخصيب:

  • 3–5%: يورانيوم منخفض التخصيب (LEU) لتوليد الكهرباء.
  • 20%: يورانيوم عالي التخصيب (HEU) يمكن أن يقترب من الاستخدامات العسكرية.
  • 90%: يورانيوم مُسلّح (Weapon-grade) صالح لصنع سلاح نووي.

دورة الوقود النووي.. من المنجم إلى قلب المفاعل

يمثل التخصيب مرحلة ضمن ما يُعرف بدورة الوقود النووي، التي تبدأ بتعدين اليورانيوم من القشرة الأرضية، حيث تتركز غالبية الإنتاج العالمي في دول مثل كازاخستان وكندا وروسيا وأستراليا.

بعد التعدين، يُعالج الخام لإنتاج مسحوق مركز يُسمى “الكعكة الصفراء”، ثم يُحوَّل كيميائياً إلى غاز سادس فلوريد اليورانيوم (UF6)، وهو الشكل المستخدم في عملية التخصيب. وبعد الوصول إلى النسبة المطلوبة، يُعاد تحويله إلى ثاني أكسيد اليورانيوم (UO2)، ويُضغط داخل قضبان وقود تُجمع في حزم تُحمّل داخل المفاعل النووي لإنتاج الطاقة.

كيف يتم الفصل؟ التقنيات الأربع للتخصيب

تعتمد عملية التخصيب على الفرق الطفيف في الكتلة بين نظيري U-235 وU-238. وعند تمرير غاز UF6 في أجهزة الطرد المركزي، تُدفع الجزيئات الأثقل (U-238) نحو الخارج، بينما يتركز الأخف (U-235) في المنتصف. وبسبب ضآلة الفرق الكتلي، تتكرر العملية عبر مراحل متعددة.

وشهد العالم أربعة أجيال رئيسية من تقنيات التخصيب:

  1. الفصل الكهرومغناطيسي: استُخدم في مشروع مانهاتن خلال الحرب العالمية الثانية، لكنه كان مكلفاً وضعيف الكفاءة.
  2. الانتشار الغازي: استُخدم بكثافة في الحرب الباردة، لكنه يستهلك طاقة هائلة.
  3. الطرد المركزي الغازي: التقنية السائدة حالياً، وأكثر كفاءة وأقل استهلاكاً للطاقة.
  4. الفصل بالليزر: تقنية متقدمة قيد التطوير، يُعتقد أنها أعلى كفاءة وأصغر بصمة تشغيلية، لكن تفاصيلها محاطة بسرية كبيرة.

الإطار القانوني.. بين الحق السيادي والهاجس الأمني

تشكل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية الأساس القانوني لضبط التخصيب. فهي تسمح للدول غير النووية باستخدام الطاقة الذرية للأغراض السلمية، مقابل التزامها بعدم تطوير سلاح نووي.

غير أن المعاهدة لا تحظر امتلاك منشآت تخصيب طالما كانت خاضعة للرقابة، ما يخلق إشكالية: فالدولة قد تطور بنية تحتية تمنحها “قدرة كامنة” على تصنيع سلاح نووي دون خرق صريح للاتفاق.

هنا يأتي دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تراقب:

  • كميات غاز UF6 الداخلة والخارجة من المنشآت.
  • أنشطة أجهزة الطرد المركزي عبر أنظمة مراقبة وكاميرات.
  • عينات بيئية تكشف آثار تخصيب غير معلن.

وتدعو الوكالة إلى توقيع “البروتوكول الإضافي” الذي يمنحها صلاحيات تفتيش أوسع، خصوصاً في المواقع غير المعلنة.

كما أُنشئت آليات لتقليل الحاجة الوطنية للتخصيب، مثل:

  • بنك اليورانيوم منخفض التخصيب التابع للوكالة الدولية.
  • المركز الدولي لتخصيب اليورانيوم في أنغارسك بروسيا.

سوق التخصيب.. هيمنة محدودة ومخاطر جيوسياسية

تسيطر أربع جهات رئيسية على السوق العالمية:

  • روسآتوم (روسيا)
  • Urenco (بريطانيا–ألمانيا–هولندا)
  • Orano (فرنسا)
  • CNNC (الصين)

وتُقدَّر حصة روسيا بنحو نصف القدرة العالمية للتخصيب، مستفيدة من بنية تحتية تعود إلى الحقبة السوفياتية. وقد أثارت الحرب الروسية-الأوكرانية تساؤلات في أوروبا والولايات المتحدة بشأن الاعتماد الكبير على الخدمات الروسية، ما دفع إلى خطط لإعادة توطين قدرات التخصيب محلياً.

زمن الاختراق.. المفهوم الذي يقلق العالم

يمثل “زمن الاختراق” الفترة اللازمة لتحويل يورانيوم منخفض التخصيب إلى يورانيوم مُسلّح بنسبة 90%. وكلما ارتفعت نسبة التخصيب الأولية، قصر زمن الوصول إلى العتبة العسكرية.

ويخشى المجتمع الدولي من سيناريوهين:

  • الاختراق السريع: تسريع التخصيب قبل تدخل دولي.
  • التخفي: إنشاء منشآت سرية صغيرة تعتمد طرداً مركزياً حديثاً منخفض الاستهلاك للطاقة.

لهذا تركز الضوابط الدولية على مراقبة مخزونات اليورانيوم منخفض التخصيب، باعتبارها المرحلة الأقرب للتحول العسكري.

التخصيب في السياسة الدولية

امتلاك تقنية التخصيب يمنح الدولة ثقلاً تفاوضياً ورمزاً للسيادة العلمية. كما يُستخدم تصدير الوقود النووي أداة نفوذ طويلة الأمد عبر عقود توريد تمتد لعقود.

وفي مناطق متوترة مثل الشرق الأوسط، قد يدفع امتلاك دولة لقدرات متقدمة إلى سباق تحوّط نووي إقليمي، حيث تبقى الدول على عتبة التسلح قانونياً، لكن مع قدرة تقنية تتيح الانتقال السريع إذا تبدلت الحسابات السياسية.

وهكذا يبقى تخصيب اليورانيوم ملفاً تقنياً في جوهره، لكنه سياسي بامتياز في نتائجه، يقف عند تقاطع الطاقة والتنمية والسيادة من جهة، والأمن الدولي ومنع الانتشار من جهة أخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى