الذكاء الاصطناعي لا يشعر.. لكنه يعرف كيف يقرأ مشاعرنا

منذ طرح آلان تورينغ لسؤاله الشهير عام 1950: “هل يمكن للآلة أن تفكر؟”، أصبح اليوم السؤال أكثر عمقاً: “هل يمكن للآلة أن تشعر؟”. التقنيات الحديثة تقودنا إلى عصر “الحوسبة العاطفية” (Affective Computing)، الذي يسعى لسد الفجوة بين المنطق الرقمي الصارم والعواطف البشرية.
كيف يقرأ الذكاء الاصطناعي المشاعر؟
يعتمد الذكاء الاصطناعي على تحويل المشاعر البشرية إلى قيم كمية يمكن تحليلها خوارزمياً، عبر ثلاث طبقات رئيسية:
- الرؤية الحاسوبية (Computer Vision): تحليل ملامح الوجه باستخدام الشبكات العصبية التلافيفية، مع قياس المسافات بين زوايا العين والفم ومقارنتها ببيانات ضخمة مثل AffectNet.
- معالجة اللغات الطبيعية (NLP): تحليل النصوص لتقدير الشحنة العاطفية، وتمييز التهكم أو الجد عبر نماذج المحولات (Transformers).
- تحليل النبرة الصوتية (Acoustic Analysis): تحويل الصوت إلى صور طيفية لدراسة التردد والشدة، حيث قد تشير التوقفات الطويلة أو الترددات المنخفضة إلى اكتئاب محتمل.
بعد “الفهم”، تقوم الأنظمة بتوليد ردود طبيعية متوافقة مع الحالة العاطفية للمستخدم، لكنها مرآة محسوبة وليست تعاطفاً حقيقياً، فالآلة تحاكي الاستجابة المثالية وفق دالة هدف رياضية، وليس عبر تجربة وجدانية.
الفجوة الأساسية: الوعي البشري
المشاعر البشرية تتضمن ما يسميه الفلاسفة “الكواليا” (Qualia)، وهي التجربة الذاتية البحتة، التي لا تستطيع الآلة امتلاكها. فالآلة تعرف أن الفقد يُصنف كحزن، لكنها لا تشعر بمرارة الفقد.
لماذا ينجح الذكاء الاصطناعي كطبيب نفسي أولي؟
على الرغم من برودة الكود، يتفوق الذكاء الاصطناعي في:
- تحليل البيانات الضخمة: مراقبة تغيرات دقيقة في “البصمة الرقمية” للمستخدم، مثل ساعات النوم أو سرعة الكتابة، على مدى أشهر.
- الاستمرارية والحياد: الخوارزمية لا تصاب بالإرهاق العاطفي، وهي متاحة دائماً، ما يوفر مساحة خالية من الأحكام الأخلاقية، ويشجع الإفصاح.
المخاطر النفسية والأخلاقية
- تأثير إليزا (ELIZA Effect): ميل البشر لنسب وعي ومشاعر للآلة، ما قد يؤدي إلى عزلة اجتماعية واختيار العلاقة مع “الآلة المثالية” على البشر.
- التلاعب العاطفي: احتمال استغلال الشركات لثغرات المستخدمين عاطفياً لأهداف تجارية أو توجيهية.
- المسؤولية القانونية: من يتحمل مسؤولية نصيحة خاطئة أدت إلى ضرر نفسي؟
الخلاصة
الذكاء الاصطناعي في الطب النفسي أداة “سيبرانية”، تعزز قدرة الطبيب البشري لكنها لا تحل مكان الروح الإنسانية. العلاج النفسي الحقيقي يعتمد على مشاركة المشاعر، وقدرة الإنسان على تبادل الخبرات الوجدانية، وهو الجانب الذي لن تستطيع أي خوارزمية اختزاله بالكامل.









