أنباء دولية

كيف يمكن قراءة تغيير البوصلة السعودية فجأة إلى إيران؟

طرحت التحركات السعودية المفاجئة – لكن ليست الجديدة – ضمن ما يعرف بحلف مكة الذي يضم باكستان وتركيا، أسئلة حول دلالة التوقيت ومدى جدواها والخيارات التي باتت مطروحة أمام المملكة ومصير الحرب في اليمن.
تقول الصحفية والمحللة السياسية اليمنية، منى صفوان، في منشور لها على منصة إكس، إن “السعودية أدركت أنها تخسر عسكريًا في اليمن، وحلفائها هم الأضعف، وباتوا يستنزفونها ويكذبون عليها لنهب الأموال، وأنها لن تستطيع استعادة باب المندب بالاعتماد عليهم وعلى فبراكاتهم الإعلامية وفهلوتهم السياسية.. بسبب حكومة المنفى خسرت السعودية اليمن وتوجهت لطهران”

رسائل ضعف

يرصد الإعلامي اليمني الجنوبي، فكري صالح حملان، كيف تحولت السعودية من إعلان مبدأ حماية الحلفاء إلى استجداء الضمانات من إيران، قائلا: “ما نشهده اليوم من زيارات وتفاهمات بين الرياض وطهران ليس مجرد دبلومسية عابرة، بل هو انعكاس واضح لتخبط السياسة الخارجية بعد الانسحاب الإماراتي والتعامل الجاف مع الجنوبيين”.
ويضيف حملان، في منشورات له عبر حسابه على منصة إكس: “بدلاً من الاستناد إلى الحلفاء الصادقين الذين قدموا التضحيات في الميدان، اتجهت الرياض إلى تقديم التنازلات للأطراف التي طالما حرضت واستهدفت أمنها الإقليمي. الاستعلاء على الحليف الصادق والانبطاح أمام الخصم الألد لا يبني أمانًا مستدامًا، بل يبعث بركام من رسائل الضعف والخضوع”.
ويتساءل الإعلامي الجنوبي: “كيف يتحول من كان يهدد بنقل المعركة إلى الداخل الإيراني إلى زيارات لطهران لطلب النجدة والتهدئة؟.. كيف تهمش السعودية حلفاءها الصادقين في اليمن والجنوب والإمارات لترتمي في أحضان من استهدف بطائراته ومسيراته عمقها الحيوي؟.. ما يجري ليس مناورات سياسية، بل هو خضوع كامل وشروط تملى من الخصوم بعد فقدان الورقة الميدانية والحليف الموثوق”.
ويشير إلى أن “السعودية تتجه اليوم إلى طهران بحثًا عن التهدئة والتفاهمات، متجاهلة أن إيران تواجه اتهامات مستمرة بدعم مليشيات الحوثي التي تهدد أمن المنطقة، وأن سجل الصراع بين الطرفين لا يمكن تجاوزه بمجرد عقد اللقاءات السياسية، فهل أدركت الرياض أخيرًا أن المواجهة مع الحلفاء وإضعاف الشراكات لا يخدم أمنها؟.. المشكلة أن السعودية التي تشددت مع الإمارات والقوى الجنوبية، تتجه اليوم إلى الخصم الإيراني طلبًا للضمانات، وكأن سنوات الصراع وتداعيات التدخلات الإيرانية يمكن محوها بزيارة واحدة إلى طهران”.
تحرك سعودي مفاجئ نحو طهران أثار توقيته جدلا واسعًا، خصوصًا أنه جاء بعد أيام من تقارير مختلفة تحدثت عن انفتاح بين المملكة والإمارات من أجل خارطة طريق مشتركة لما هو قادم، حيث أشار تقرير لصحيفة فايننشيال تايمز عن مساعي سعودية مكثفة للحصول على مساعدات لحماية مجالها الجوي وبنيتها التحتية النفطية، بعد سلسلة هجمات عنيفة شنها الحوثيون على المملكة وأدت، في مجموعها، إلى مقتل أكثر من 20 شخصًا، وأجبرت مطار الرياض على الإغلاق، كما أصابت منشآت للطاقة.
وما بدا لافتًا أن محللين سعوديين كانوا يتحدثون للصحيفة البريطانية عن ترتيبات سعودية إماراتية، حيث قال إياد الرفاعي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الملك عبد العزيز بجدة، إن “السعودية والإمارات قد تتمكنان من التوصل إلى تفاهم بشأن كيفية التعامل مع الحوثيين في اليمن، نظرًا إلى أن كليهما يرى تهديدًا مشتركًا من إيران ووكلائها”، مضيفًا: “لن تؤدي التمنيات وحدها إلى إصلاح تلك التصورات أو جمع البلدين معًا. المطلوب هو التوافق على مستقبل المنطقة وبنيتها الأمنية”

حقبة اختلال توازن

قبل أيام تحدث المحلل مايكل راتني، في تحليل له بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، عن أن الحرب مع إيران وضعت السعودية أمام سيناريو واضح وهو أن “أقصى ما يمكن تحقيقه هو خفض حدة هذه النزاعات، ومن بينها اليمن والعمل قدر الإمكان على احتواء العلاقة العدائية مع إيران. وكان الهدف إبعاد الآثار الأكثر تدميرًا لهذه النزاعات عن المملكة إلى أقصى حد ممكن، بما في ذلك التطرف والتخريب وتدفقات اللاجئين والهجمات العابرة للحدود”.
ويعيد التذكير بأن “النهج السعودي شمل إشراك الحوثيين في اليمن في عملية سياسية منحت ضمنًا شرعية لسيطرتهم، والتوصل إلى حالة من الانفراج مع إيران أعادت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد انقطاع دام سبع سنوات. ففي عام 2022 توصلت السعودية إلى هدنة غير مستقرة مع الحوثيين. ثم أفضت خارطة طريق برعاية الأمم المتحدة عام 2023، لم تنفذ بالكامل قط، إلى بدء حوار مباشر بين السعودية والحوثيين”.
ويرى أن هذه السياسية السعودية مثلت “ترتيبًا غير مثالي، لكنه أتاح قدرًا من الهدوء، تمثل تحديدًا في توقف الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية، لكن اتضحت هشاشة هذا الترتيب بعد السابع من أكتوبر 2023، عندما بدأ الحوثيون استهداف السفن في البحر الأحمر”. ويضيف: “مؤخرًا، تصاعد الصراع السعودي الحوثي مجددًا، بعدما بدأ الحوثيون استهداف السفن التي تنقل النفط السعودي عبر مضيق باب المندب، فضلًا عن استهداف البنية التحتية للطاقة في السعودية”.
وعن إيران، يوضح أنه “لم يكن لإعادة العلاقات السعودية الإيرانية عام 2023 تأثير يذكر عندما بدأت القنابل الأمريكية والإسرائيلية تتساقط على إيران. وأمام إدراكها بأنها تتحمل العبء الأكبر من الردود الانتقامية الإيرانية، تلجأ المملكة إلى استئناف الدبلوماسية الهشة مع طهران”، وهو ما يعكس بوضوح حقبة اختلال توازن تعيشها الرياض.

زر الذهاب إلى الأعلى